بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

بلمسات من الطين.. شاب كفيف يعيد تشكيل العالم للمكفوفين

بينما تتصدر المواهب الشابة مشهد الإبداع والابتكار، يتجلى دور عدد من أصحاب الهمم كنماذج ملهمة، حيث استطاعوا تحويل التحديات إلى قصص نجاح حقيقية في محافظة الإسكندرية، حقق شاب يعاني من ضعف البصر منذ الولادة إنجازًا متميزًا في عالم الفن، حيث استخدم النحت بالطين الأسواني كوسيلة تعليمية محسوسة تسهم في مساعدة المكفوفين على فهم العالم من حولهم والتفاعل معه.

البداية من مدرسة النور للمكفوفين

يقول محمد السويسي، خريج كلية الحقوق ، أن موهبته الفنية بدأت تبرز خلال سنوات دراسته في مدرسة النور للمكفوفين بالإسكندرية حيث لاحظ معلموه في مادة التربية الفنية قدرته الفائقة على التشكيل والنحت، مما دفعهم إلى تقديم الدعم اللازم له من خلال توفير الخامات والأدوات الضرورية لأعماله الفنية.

وأكد أن هذا التشجيع كان له الأثر البالغ في حياته، إذ دفعه للمشاركة في العديد من المسابقات الفنية ونجح في الوصول إلى مسابقة تحيا مصر فوق الجميع التي تنظمها وزارة التربية و التعليم، حيث حقق المركز الأول على مستوى العالم العربي.

تحويل المناهج الدراسية إلى مجسمات محسوسة

أكد السويسي أن المشروع الذي أحرز من خلاله المركز الأول يعتمد على ابتكار نماذج تعليمية مخصصة للمكفوفين، من خلال تحويل المعلومات المكتوبة بلغة برايل إلى مجسمات محسوسة تسهم في تسهيل عملية استيعاب الدروس للطلاب المكفوفين.

وأشار إلى أنه قام بتنفيذ نماذج لمعالم وأشكال متنوعة، تشمل المساجد، والكنائس، والقلاع، و المسلات، و الأهرامات لافتاً أن الدراسة الشفهية تمثل تحديا كبيرًا للمكفوفين، حيث تعتمد بشكل رئيسي على التخيل، مما يجعل الأمر صعبًا للغاية لمن لم يسبق له رؤية هذه المعالم مضيفاً أن استخدام المجسمات المنحوتة يساعد في توصيل المعلومة بنسبة أكبر، حيث يستطيع الكفيف عبر حاسة اللمس تكوين صورة ذهنية واضحة للشكل والتفاصيل.

الطين الأسواني .. وسيلة لفهم العالم

و فيما يتعلق باستخدام الطين الأسواني ، أشار محمد إلى أنه اعتمد على هذه المادة في تصميم المجسمات التعليمية، نظرًا لسهولة تشكيلها وقدرتها على إبراز التفاصيل الدقيقة مؤكداً أن حاسة اللمس تُعد نافذة أساسية للمكفوفين لتعرفهم على محيطهم.

و أضاف أن النماذج التي يقوم بتنفيذها تسهم في مساعدة الطلاب المكفوفين على فهم الدروس بشكل عملي، حيث يمكنهم التعرف على ملامح المجسمات وتفاصيلها عبر اللمس، مما يسهم في ترسيخ المعلومات في أذهانهم بشكل أفضل. 

نجاح كبير داخل دار الأوبرا المصرية

أكد أن رحلته لم تقتصر على حدود الدراسة أو المشاركات في المسابقات، بل استمر في العمل على تطوير موهبته وشارك في مجموعة من المعارض الفنية المتنوعة وكان من بينها معرض أقيم داخل دار الأوبرا المصرية ، حيث حظي مشروعه بإشادة واسعة من الحضور.

وأوضح أنه قدّم خلال المعرض نحو 50 قطعة متنوعة من منحوتات الطين الأسواني، بالإضافة إلى لوحات مكتوبة بطريقة برايل وصور توثق مراحل العمل مؤكدا أن المعرض حقق نجاحًا كبيرًا، وقد ألهم الكثيرين لدعم هذه الفكرة.

ورش فنية داخل مكتبة الإسكندرية

أشار محمد أنه قدم عدد من  الورش العمل متخصصة لتعليم فن النحت للمبصرين و المكفوفين، وذلك عبر وحدة مكتبة طه حسين للمكفوفين وضعاف البصر في مكتبة الإسكندرية. 

وأكد أن هذه الورش تركز على تدريب المشاركين على كيفية استخدام الطين الأسواني وأدوات الدفرا و الماء بهدف إنتاج مجسمات تعليمية تسهم في تمكين المكفوفين من التعرف على الأشكال المتنوعة وفهمها بشكل عملي بخلاف مشاركته السنوية في فعاليات اليوم العالمي للغة برايل التي تُقام في مكتبة الإسكندرية.

التنمر لم يكسر الإرادة

وأكد محمد بأنه واجه العديد من ممارسات التنمر والانتقادات ومحاولات الإحباط من بعض الأشخاص المحيطين به خلال مسيرته وعلى الرغم من ذلك، لم يُسمح لهذه المواقف أن تعيق تقدمه، حيث كان دائمًا مؤمنًا بموهبته وبأن الاختلاف يمكن أن يكون مصدرًا للقوة والتميز.

و أكد أن كل فرد من ذوي الإعاقة يحمل في داخله قدرة فريدة يمكن أن تتحول إلى نجاح حقيقي متى وُجد الدعم والإصرار الكافيين مشيرا أن والدته وشقيقه كانا من الداعمين الرئيسيين له طوال مشواره الفني و التعليمي.

الفن رسالة إنسانية لدعم المكفوفين

تحولت تجربة محمد السويسي من موهبة فردية إلى رسالة إنسانية سامية تهدف إلى تسهيل وصول التعليم للمكفوفين ودمجهم بشكل أكبر في المجتمع وذلك من خلال تقديم وسائل تعليمية تعتمد على اللمس والتجربة المباشرة. إنها نموذج يُبرز قدرة الإرادة على تحويل التحديات إلى قصص نجاح ملهمة.

تم نسخ الرابط