بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

بين الحجر والفولاذ.. «عم سعد» يروي حكاية 40 عامًا في سن السكاكين بكوم الشقافة

بلدنا اليوم

تواصل محافظة الإسكندرية الحفاظ على ملامحها التراثية العريقة، حيث لا تزال الحرف التقليدية تُقاوم الاندثار داخل الأسواق الشعبية والأحياء القديمة و مع اقتراب عيد الأضحى المبارك وارتفاع الإقبال على تجهيز مستلزمات الذبح، تعود مهنة سن السكاكين إلى الواجهة باعتبارها واحدة من أقدم المهن المرتبطة بالحياة اليومية للمصريين ورغم زحف الحداثة، ما زالت أصوات السنانين تتردد في شوارع المدينة، حاملة ذاكرة شعبية تعكس أصالة الماضي وروح المكان.

كوم الشقافة .. حيث لا تزال الحرفة تتنفس

داخل أزقة منطقة كوم الشقافة أحد أقدم المناطق بمحافظة الإسكندرية، يواصل «عم سعد» رحلته اليومية مع مهنة سن السكاكين التي ورثها عن أجداده، ليصبح أحد أشهر الحرفيين الشعبيين بالمنطقة. يحمل الرجل «المسن» الحجري على ظهره، ويتنقل بين الشوارع مرددا نداءه المعتاد «أسن السكين و أسن المقص»، في مشهد يعكس عبق الإسكندرية القديمة و تمسكها بالحرف التراثية الأصيلة رغم تغير الزمن و عندما يستوقفه أحد الزبائن، يجلس إلى جانب الرصيف، يثبت أدواته اليدوية، ثم يبدأ في إعادة الحياة إلى سكين فقدت حدتها أو مقص لم يعد صالحا للاستخدام، لتعود الأدوات لامعة وحادة خلال دقائق معدودة.

40 عامًا بين الحجر و الفولاذ

يقول عم سعد، أشهر سنان سكاكين في منطقة كوم الشفافة في الإسكندرية ، إنه يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 40 عامًا، حيث ورثها عن جده ثم والده مشيراً أنه بدأ تعلمها منذ طفولته وهو في الثالثة عشرة من عمره، ويعبر عن اعتزازه بالخبرة الكبيرة التي اكتسبها على مر السنين في التعامل مع مختلف أنواع السكاكين وأدوات التقطيع كما يحرص علي تعليم أبنائه أصول هذه المهنة لتضمن استمرارها وعدم اندثارها مع مرور الزمن مؤكداً أن أكثر موسم فيه الإقبال من المواطنين لتسنين هو مع اقتراب عيد الاضحى المبارك و يعتبر له العمل الحقيقي.

أشار إلى أن هذه المهنة تعتمد في جوهرها على العمل اليدوي، مما يعني أنه لا يمكن تنميتها أو تطويرها بشكل كامل وذلك لأن نجاحها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمهارة الحرفي وخبرته في كيفية التحكم بالأداة المستخدمة، بالإضافة إلى القدرة على التعامل مع الحجر وزاوية الشفرة أو السن.

«غلطة واحدة ممكن الصباع يتقطع»

كشف عم سعد أن هذه المهنة تحمل مخاطر كبيرة، وتتطلب يقظة و تركيزا عالياً أثناء العمل، خاصة عند التعامل مع السكاكين و السواطير الحادة موضحاً أنه أي خطأ في مسك السكين أو التحكم فيها قد يؤدي إلى قطع الأصابع مشيراً أن العامل في هذه الحرفة يحتاج إلى خبرة طويلة لتعامل آمن ودقيق مع الأدوات مضيفاً أنه يعتمد على حجر سن كبير يتم شراؤه من محافظات الوجه البحري، ويتم استبداله كل ستة أشهر نظرًا لكثافة استخدامه.

أدوات بدائية صنعتها خبرة السنين

وأشار في حديثه إلى أنه يعتمد في عمله على مجموعة من الأدوات التقليدية التي صقلتها خبرة الأجداد على مدار عقود. ومن أبرز هذه الأدوات أحجار السن المختلفة، التي تتنوع استخداماتها حسب نوع الفولاذ المستخدم في تصنيع السكين موضحاً أن حجر الماء يستخدم للسكاكين المصنوعة من الفولاذ اللين، بينما يستخدم حجر النفط للسكاكين الأكثر صلابة إضافة إلى ذلك، يستخدم المبرد لتنعيم الحواف، في حين يمنح الجلد السكين اللمسة النهائية و التلميع المطلوب. 

أوضح أنه يمتلك ماكينات يدويتين قديمتين ، بالإضافة إلى أنه أرسل ماكينة ثالثة إلى أحد المعارض التراثية بسبب قيمتها التاريخية. وهذه الماكينة، التي يزيد عمرها عن 100 عام، تعود الأجداد و ترمز إلي تراثهم.

التكنولوجيا تزاحم السنان اليدوي

أكد عم سعد أنه بالرغم من تمسكه بالأساليب التقليدية، إلا أن بعض العاملين في المهنة بدأوا في استخدام أدوات حديثة، مثل ماكينات السنّ الكهربائية وأدوات قياس الزوايا الدقيقة، مما يسهم في تسهيل العمل و إنجازه في وقت أقل مشيراً أن الحرفة الأصلية لا تزال تعتمد على المهارة اليدوية وخبرة الحرفيين، مُعتبرًا أن التكنولوجيا لن تستطيع تعويض الإحساس الذي يمتلكه الحرفي أثناء استخدامه للسكين.

حرفة مهددة بالانقراض

أكد أن مهنة سن السكاكين أصبحت من الحرف المهددة بالانقراض في مصر، نتيجة لابتعاد الشباب عن تعلمها وضعف العائد المادي مقارنة بالمهن الحديثة مشيراً أن العديد من ربات البيوت يفضلن شراء سكاكين جديدة بأسعار منخفضة بدلاً من إعادة سن السكاكين القديمة، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في أعداد الزبائن مضيفاً أن السنانين كانوا في الماضي يجوبون الشوارع و المنازل يوميًا، إلا أن هذا المشهد بدأ يتلاشى تدريجيًا مع تغير نمط الحياة و انخفاض الاهتمام بالحرف التقليدية.

معركة للحفاظ على التراث الشعبي

و أكد عم سعد أنه على الرغم من التحديات، فإنه متمسك بمهنته حتى آخر أيام حياته، حيث يعتبرها ليست مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل جزءاً من تراث عائلته وذاكرة مدينة بأكملها موضحاً أن الحرفيين اليدويين يستمرون في مقاومة اندثار هذه الحرفة من خلال المحافظة على الورش القديمة، وتعليم الأجيال الجديدة أسرار المهنة، والمشاركة في المعارض و المهرجانات التراثية لتسليط الضوء على قيمة هذه الحرفة العريقة.

رسالة إلى الشباب

وفي ختام حديثه، أرسل عم سعد رسالة إلى الشباب، حاثًا إياهم على تعلم الحرف اليدوية التقليدية مؤكداً أن مهنة سن السكاكين تعد مصدر رزق كريم لمن يتقنها لافتاً أن هذه الحرفة ليست مجرد عمل تقليدي، بل هي فن يتطلب الصبر والمهارة والإبداع مشدداً على أهمية الحفاظ على هذه المهن، باعتبارها جزءًا من الهوية والتراث الشعبي المصري الذي يواجه خطر الاندثار مع مرور الزمن.

تم نسخ الرابط