صناعة الـ«قُرم» الخشبية بالإسكندرية.. حرفة تراثية تقاوم الاندثار مع اقتراب عيد الأضحى
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تستعد شوارع الإسكندرية لاستعادة إحدى أبرز معالمها الشعبية المرتبطة بهذه المناسبة، حيث تعود ورش صناعة القُرم الخشبية إلى نشاطها المكثف استعدادًا للارتفاع المتوقع في الطلب من قبل الجزارين و محلات الجزارة يُعتبر «القُرم» أداة أساسية في عمليات الذبح وتقطيع اللحوم خلال أيام العيد.

في أزقة اللبان .. الخشب يتحول إلى ذاكرة شعبية
في أحد الأزقة العريقة بمنطقة اللبان في وسط المدينة ، وتحديدًا بالقرب من منزل ريا و سكينة التاريخي، تقع ورشة صغيرة تمتلئ بجذوع الأشجار والأخشاب الثقيلة يعكس هذا المشهد بقايا مهنة تقليدية صمدت أمام تقلبات الزمن على مدى عقود، و ما زالت تحتفظ بطابعها اليدوي الأصيل رغم المظاهر الحديثة التي تحيط بها.

«القُرم» .. أداة بسيطة تحمل تاريخًا طويلًا
يقول محمد الشندويلي، أحد أفراد أصحاب الورشة، أن صناعة الـ«قُرم» تُعتبر من الحرف اليدوية العريقة التي ترتبط بتراث الإسكندرية الشعبي موضحاً أن هذه المهنة قد توارثتها الأجيال على مدار مئات السنين، حيث كانت دائمًا جزءًا من الاستعدادات لعيد الأضحى المبارك.
أوضح أن القُرم كان يُصنع في الماضي من أخشاب الجوز و البلوط، نظرًا لمميزاتها من حيث القوة والصلابة ومع ذلك، فقد اتجه الحرفيون في السنوات الأخيرة إلى استخدام خشب الزان و السنديان، نظرًا لقدرتهم الأكبر على التحمل ومقاومة التشققات الناتجة عن الاستخدام المتكرر.
و أضاف أن اختيار نوع الخشب يعد من أهم مراحل عملية التصنيع، إذ إن جودة المادة الخام تؤثر بشكل مباشر على عمر الـ «قُرم» وكفاءته أثناء الاستخدام، خصوصًا في ظل طبيعة العمل الشاقة التي تتم داخل محلات الجزارة.


مراحل دقيقة تبدأ بجذع الشجر و تنتهي بأداة متقنة
و عن مراحل التصنيع أضاف الشندويلي أن صناعة الـ «قُرم» تتطلب اجتياز عدد من المراحل الدقيقة التي تستند إلى خبرة كبيرة ومهارة يدوية فائقة تبدأ هذه العملية بالمرحلة الأولى التي تتضمن اختيار جذوع الأشجار المناسبة من حيث الصلابة والكثافة، تليها عملية تقطيعها إلى الأحجام المطلوبة.
تتضمن المرحلة الثانية من العمل عمليات التشكيل باستخدام أدوات النجارة اليدوية، بهدف تحقيق الأبعاد المناسبة لاحتياجات الجزارين يلي ذلك الانتقال إلى مرحلة التجويف ، والتي تركز على حفر الجزء العلوي بدقة ، مما يسهل تثبيت الذبيحة و يضمن دقة عملية التقطيع.
في ختام العمل، تأتي المرحلة النهائية التي تتمثل في الصقل والتشطيب. حيث يتم أولاً تنعيم السطح وإزالة أي شوائب أو زوائد خشبية بعد ذلك، يتم معالجة الـ«قُرم» بمواد طبيعية تعزز من حمايته ضد الرطوبة و التآكل، مما يسهم في الحفاظ على مظهره وجودته لفترات طويلة.


حرفة شاقة تواجه خطر الانقراض
أشار ابن صاحب الورشة إلى أن المهنة تواجه خطر الانقراض بسبب تراجع إقبال الشباب على تعلمها لافتاً أنها تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا وصبرًا مستمرًا، إضافةً إلى التعامل اليومي مع الأخشاب الثقيلة وأدوات القطع.
وأوضح أن العديد من الورش التقليدية قد أغلقت أبوابها في السنوات الأخيرة، بينما لا يزال عدد قليل من الحرفيين متمسكًا بالمهنة التي يعتبرونها إرثًا عائليًا وتاريخيًا لا يمكن التخلي عنه، على الرغم من التحديات الاقتصادية وارتفاع أسعار الأخشاب.



«القُرم».. رمز الكرم و التكافل في عيد الأضحى
أشار إلى أن أهمية الـ «قُرم» لا تقتصر على كونه أداة يستخدمها الجزارين فحسب، بل يمتد دوره ليعكس دلالة رمزية مرتبطة بعيد الأضحى المبارك، حيث يجسد قيم الكرم والعطاء من خلال توزيع لحوم الأضاحي على المحتاجين والفقراء.
و أضاف أن هذه الصناعة الشعبية تشكل جزءًا من الذاكرة الاجتماعية للمصريين، لاسيما في الأحياء القديمة بالإسكندرية، التي لا تزال تحافظ على بعض الحرف التراثية على الرغم من التحولات التي طرأت على أنماط الحياة الحديثة.





ورش الإسكندرية القديمة .. ذاكرة مدينة لا تموت
تظل ورش صناعة الـ «قُرم» في الإسكندرية تجسيدًا حيًا للحرف التقليدية التي ساهمت في تشكيل هوية المدينة على مدار عقود طويلة حيث تتناغم رائحة الخشب مع أصوات المناشير اليدوية، لتروي قصة مهنة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتضمن في عمقها تاريخًا مليئًا بالصبر والإبداع والتراث الشعبي المرتبط بالمواسم الخير و الأعياد.