محمد سعيد يكتب: «النجم العلي» محاولة هادئة لإعادة الروح إلى الإنسان
أحيانًا لا تأتي بعض الكتب لتضيف معلومة جديدة إلى عقلك، بل تأتي لتوقظ شيئًا قديمًا في قلبك، شيئًا كنت تعرفه بالفطرة ثم غطّاه صخب الحياة، وهذا ما شعرت به وأنا أقرأ كتاب «النجم العلي» للباحث محمد عبد الحليم العزمي، أردت أن أقدمه كذلك حتى أعطيه حقه في رسالته، فلم أشعر أنني أمام كتاب يتحدث عن «طريقة صوفية» بقدر ما شعرت أنني أمام محاولة هادئة لإعادة الإنسان إلى إنسانيته، وإعادة الروح إلى مكانها الصحيح وسط هذا الزحام القاسي.
هناك كتب تُقرأ بالعين، وكتب تُقرأ بالعقل، لكن القليل جدًا من الكتب هو ما يجعلك تقرأه بقلبك، تتوقف بين سطوره وكأنك تستريح لا تتابع القراءة فقط، وهذا ما فعله «النجم العلي»، فالكتاب لم يأتِ متكلفًا في لغته، ولا متعاليًا على قارئه، بل جاء وكأنه يقول لك بهدوء، اقترب فالصورة التي تعرفها ليست كاملة.
ولعل أكثر ما شدّني في الكتاب أنه لم يحاول أن يجمّل التصوف أو يقدّمه في صورة مثالية مصطنعة، بل حاول أن يعيده إلى موضعه الطبيعي، منهجًا وسطيًا يحمل من الرحمة أكثر مما يحمل من الجدل، ومن التربية أكثر مما يحمل من الشعارات، فالتصوف الحقيقي -كما أراه- ليس انسحابًا من الدنيا، بل تهذيبًا للقلب داخلها، وليس خصومة مع العقل، بل سكينة تمنحه الاتزان.
لكن الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من الناس لم يعرفوا التصوف إلا من صور مبتورة، اختُزلت الطرق الصوفية عند البعض في “الدراويش”، أو في حلقات الذكر التي تُلتقط منها مشاهد سطحية، أو في موائد الفتة واللحم في الموالد، بينما غاب عنهم الوجه الحقيقي، وجه المحبة، والأدب، والتربية، والعلم، ومحاولة الوصول إلى الله دون قسوة على النفس أو الناس.
وربما ساهم بعض المنتسبين للتصوف في هذه الفجوة، حين انغلقوا على مجتمعهم الخاص، فأصبح الناس ينظرون إليهم من بعيد دون أن يقتربوا منهم، ودون أن يجدوا من يشرح لهم حقيقة هذا الطريق بلغة يفهمها القلب والعقل معًا.
ومن هنا جاءت قيمة كتاب «النجم العلي»، فالكتاب لا يكتفي بسرد تاريخي أو طرح أكاديمي، بل يحاول أن يفتح نافذة بين التصوف والعصر، بين الروح ووسائل الاتصال الحديثة، بين الفكرة القديمة وطريقة تقديمها الجديدة، ولهذا كانت دراسة ”حليم“ -كما أناديه- حول توظيف الطرق الصوفية لوسائل الاتصال خطوة شديدة الذكاء، لأنها تنطلق من فهم حقيقي لمعركة هذا الزمن، الناس لم تعد ترفض الفكرة دائمًا، لكنها أحيانًا لا تجد من يقدّمها إليها بصورة قريبة منها.
أما عن الإمام السيد محمد علاء الدين ماضي أبو العزائم، فربما تعجز الكلمات عن وصف ذلك الأثر الهادئ الذي يتركه فيمن يلقاه -عن تجربة-، في لقائي الأول به، كنت أظن أنني ذاهب لأقابل «شيخ طريقة» كما ترسمه الصور الذهنية المعتادة، لكنني فوجئت بإنسان يحمل سكينة غير مصطنعة، وهدوءًا لا يحتاج إلى استعراض.
كان يتحدث معي ببساطة شديدة، وكأنني أعرفه منذ سنوات، أو كأن بيننا معرفة قديمة لم تبدأ في هذا اللقاء، لم أشعر لحظة أن هناك حواجز أو رسميات، بل شعرت أن الرجل يراك بقلبه قبل عينيه، وهذه قدرة لا يمتلكها كثيرون.
أتذكر أن ”حليم“ قال لي متعجبًا بعد اللقاء: ”مولانا يتحدث معك وكأنك بيننا من زمن بعيد“، حينها لم أفهم ما الذي قصده تمامًا، ولم أكن أملك تفسيرًا لذلك الشعور الغريب بالألفة والطمأنينة، لكنني أدركت بعد فترة أن بعض الأرواح تحمل من الصفاء ما يجعلها قريبة من الناس دون جهد، وأن أكثر الشخصيات تأثيرًا ليست تلك التي ترفع صوتها، بل تلك التي تُشعرك بالأمان وأنت صامت.
ولذلك أرى أن «النجم العلي» ليس مجرد كتاب عن الطريقة العزمية، بل رسالة هادئة تقول إن التصوف ليس كما يظنه البعض حالة انعزال عن العالم، وإنما محاولة دائمة لإصلاح القلب حتى يصبح الإنسان أكثر رحمة، وأكثر اتزانًا، وأكثر علمًا، وأكثر قربًا من الله والناس معًا، كتاب يجعلك تعيد النظر في أشياء كثيرة، في معنى السكينة، وفي معنى التربية، وفي فكرة أن القلوب لا تُفتح بالقوة، بل بالمحبة.

