بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

46 عامًا بين عقارب الزمن.. حكاية أقدم ساعاتي في الإسكندرية

عم محمد اقدم ساعاتي
عم محمد اقدم ساعاتي في الإسكندرية

في إحدى الأزقة العريقة في منطقة اللبان وسط مدينة الإسكندرية، وعلى بُعد خطوات من منزل ريا و سكينة، الذي يجذب الزوار و المهتمين بتاريخ المدينة، يقع محل صغير يحتفظ في جوانبه بحكاية تمتد لأكثر من أربعة عقود داخل هذا المكان المتواضع، يجلس  رجل في الأربعينات من عمره ، محاطًا بالعشرات من الساعات و المنبهات القديمة التي أصبحت رمزًا حيًا لمهنة تكاد تتلاشى من شوارع المدينة. 

و بين أصوات التروس الدقيقة و دقات عقارب الزمن التي لا تتوقف، يواصل رحلته اليومية في إصلاح الساعات، محافظًا على مهنة ورثها عن والده. إنه يتمسك بـ حرفته التي صمدت أمام تقلبات الزمن و تحديات التكنولوجيا الحديثة.

اقدم ورشة ساعاتي في الإسكندرية 
اقدم ورشة ساعاتي في الإسكندرية 

من «التارزي الأفرنجي» إلى أشهر ساعاتي في اللبان

يقول عم محمد المعروف بلقب أبو مجدي، وهو أقدم ساعاتي في الإسكندرية، إن المحل لم يكن في بدايته متخصصًا في الساعات، بل كان ورشة تُعنى بتفصيل الملابس النسائية و البدل الرجالية و مع انتشار الملابس الجاهزة وازدياد الإقبال على الخيارات السريعة، اتخذ والدي قرارًا بتحويل نشاط المحل إلى بيع وإصلاح الساعات. 

أكد أنه بدأ رحلته منذ طفولته بالتردد على المحل ومراقبة أسرار المهنة، حيث تعلم تفاصيلها و أتقنها على يد والده و بفضل هذه الخبرة، أصبح واحدًا من أشهر وأقدم مصلحي الساعات في منطقة اللبان، محافظًا على اسم العائلة و مكانة الورشة التي أصبحت وجهة مفضلة للزبائن من مختلف أنحاء الإسكندرية.

عم محمد اقدم ساعاتي في الإسكندرية 
عم محمد اقدم ساعاتي في الإسكندرية 

46 عامًا من الخبرة بين عقارب الزمن

أكد أنه على مدار 46 عامًا من مسيرته المهنية، لم تفارق الساعات يده، حيث كان يجلس لفترات طويلة خلف مكتبه الصغير، يفحص كل ساعة بدقة واهتمام بالغ، ويبحث عن أسباب الأعطال قبل أن يبدأ عملية الإصلاح بكل احترافية وصبر موضحاً أن الآلاف من الساعات مرت بين يديه، بدءًا من الساعات الرجالية و الحريمي، مرورًا بالساعات العادية، وصولًا إلى الأنواع النادرة و الباهظة الثمن هذه السنوات الطويلة من الخبرة منحت له مهارات واسعة، جعلته قادرًا على اكتشاف الأعطال و إصلاحها بمهارة كبيرة ، مما أكسبه ثقة زبائنه وسمعة طيبة على المستويين المحلي والدولي.

الموبايل و التكنولوجيا الحديثة غيّروا كل شيء

أكد أبو مجدي أن التكنولوجيا الحديثة تُعتبر العامل الرئيسي في تراجع مهنة الساعاتي، موضحًا أن الهواتف المحمولة باتت البديل الأسهل لمعرفة الوقت، مما أثر بشكل مباشر على الإقبال على الساعات التقليدية مشيراً إلى أن الساعات الرقمية و الهواتف الذكية قد أدت إلى تقليص أهمية الساعة اليدوية لدى العديد من الأشخاص مضيفًا أن طبيعة المهنة لم تعد كما كانت في السابق، حيث شهدت انخفاضًا ملحوظًا في الطلب على خدمات الإصلاح والصيانة.

الشباب يعيدون الساعات إلى الواجهة

و أضاف أنه على الرغم من تراجع مهنة صناعة الساعات، إلا أنه لاحظ ظاهرة جديدة خلال السنوات الأخيرة تتمثل في إقبال بعض الشباب على شراء الساعات و ارتدائها كجزء من مظهرهم الشخصي أو أسلوبهم، أكثر من كونها و سيلة لمعرفة الوقت مشيراً أن العديد من الشباب باتوا يبحثون عن الساعات الكلاسيكية والقديمة، اعتبرًا إياها قطعة أنيقة تضيف لمسة مميزة إلى مظهرهم، مما ساهم في استمرار الطلب على بعض أنواع الساعات التقليدية.

ساعات الحائط ما زالت صامدة

أكد صاحب الورشة أن ساعات الحائط لا تزال تمتلك مكانة مرموقة في المنازل و المحلات، مشيرًا إلى استمرار الإقبال على إصلاح الساعات القديمة التي تحمل قيمة معنوية كبيرة لأصحابها موضحاً أن العديد من الأسر لا تزال تحتفظ بساعات ورثتها عن الآباء والأجداد، و تعمل بجد على صيانتها وإعادتها إلى العمل بدلاً من التخلي عنها. و هذا الأمر يوفر فرصة للمهنة للاستمرار بالرغم من جميع التحديات التي تواجهها.

«أنصح الشباب بعدم تعلمها» .. مهنة تحتاج سنوات من الصبر

على الرغم من شغفه العميق بمهنته، يقر عم محمد بأن الظروف الراهنة لا تدفع الأجيال الجديدة لتعلمها مؤكداً أن مهنة إصلاح الساعات تتطلب سنوات طويلة من التدريب والخبرة و الصبر، بينما تقلصت فرص العمل و العائد المادي منها بشكل كبير بالمقارنة مع الماضي كما يرى أن العديد من الحرف التقليدية تواجه مصيرًا مشابهًا، نتيجة للتطور التكنولوجي السريع الذي غير أنماط الحياة وأثر على العديد من المهن اليدوية التقليدية. 

رحلة كفاح صنعت نموذجًا للإصرار

و أكد أن رحلتة لم تكن سهلة، فقد واجه خلال سنوات عمله تحديات كثيرة، من تغيرات السوق إلى تراجع الإقبال على المهنة لكنه تمسك بحرفته وواصل العمل بإصرار، مستندًا إلى خبرته الطويلة وجودة الخدمة التي يقدمها لزبائنه حتي يصبح نموذجًا للكفاح والالتزام، يجسد قيم العمل الجاد والمثابرة، ويؤمن بأن النجاح لا يتحقق بالحظ، وإنما بالاجتهاد والصبر والإصرار على تحقيق الهدف مهما كانت الصعوبات.

شاهد على زمن جميل

ورشة «أبو مجدي» ليست مجرد محل لإصلاح الساعات، بل نافذة تطل على تاريخ طويل من الحرف التقليدية التي شكلت جزءًا من هوية الإسكندرية. وبين عقارب الساعات القديمة و المنبهات العتيقة، يواصل الرجل رحلته اليومية، محافظًا على مهنة توشك أن تختفي، ومثبتًا أن بعض الحكايات لا تقاس بالسنوات، بل بما تتركه من أثر في ذاكرة المكان وأهله.

تم نسخ الرابط