خبير شؤون دولية: ارتباط الحوثيين بإيران سياسي أكثر منه عقائدي
تتجاوز العلاقة بين الحوثيين وإيران حدود التقارب المذهبي الضيق لتستقر في مربع المصالح السياسية والاستراتيجية المشتركة. فالمؤشرات الميدانية والسياسية تؤكد أن هذا الارتباط يمثل تحالفاً سياسياً وعسكرياً تفرض فيه لغة المصالح المتبادلة نفسها فوق أي اعتبارات عقائدية أخرى
اختلافات عقائدية
قال الدكتور حسام البقيعي مدير وحدة الدراسات الدولية بمركز رع للدراسات الاستراتيجية، إن من الضروري الانتباه إلى أن جماعة الحوثيين لا تعد عضوا بالمعنى التقليدي في محور المقاومة الذي تقوده إيران، موضحا أن هناك اختلافات مذهبية وعقائدية جوهرية تفصل الحوثيين عن بقية مكونات المحور، مشيرا إلى أن الحوثيين ينتمون إلى المذهب الزيدي وهو الأقرب إلى مذاهب أهل السنة مقارنة بالمذهب الاثني عشري الذي تتبناه إيران وحزب الله وفصائل الحشد الشعبي.
وأضاف البقيعي في تصريح خاص لـ بلدنا اليوم، أن المذهب الزيدي يختلف في رؤيته لمسألة الحكم والقيادة الدينية عن نظرية ولاية الفقيه التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الحوثيين وإيران ذات طابع سياسي ومصلحي أكثر من كونها علاقة عقائدية أو أيديولوجية خالصة.
وأكد البقيعي أن البعد الجغرافي والثقافي لعب دورا مهما في تشكيل هذه الفوارق، إذ ظل اليمن تاريخيا أقرب إلى الدائرة الجيوسياسية والدينية للمملكة العربية السعودية، بينما تطورت علاقات إيران بشكل أعمق مع القوى الشيعية في العراق ولبنان بحكم الجغرافيا والتاريخ.
بدائل الحوثيين الإقليمية وحسابات البقاء السياسي
وأوضح البقيعي أن الحوثيين يختلفون عن بقية حلفاء إيران في امتلاكهم بديلا إقليميا يمكن البناء عليه، يتمثل في المملكة العربية السعودية، لافتا إلى أن المفاوضات التي جرت بين الجانبين خلال عام 2023 كشفت عن إمكانية التوصل إلى تفاهمات قد تقلص من حجم النفوذ الإيراني داخل اليمن.
وأشار إلى أن القاعدة الاجتماعية التي انطلقت منها الجماعة ترتبط تاريخيا بالمملكة العربية السعودية اقتصاديا واجتماعيا، كما أن الحوثيين اكتسبوا خلال حرب غزة رصيدا شعبيا واسعا داخل اليمن والعالم العربي بسبب ارتباط تحركاتهم بالقضية الفلسطينية التي تحظى بإجماع عربي وإسلامي.
وأضاف أن الانخراط المباشر في الحرب إلى جانب إيران لا يمنح الحوثيين المكاسب السياسية ذاتها، بل قد يؤدي إلى خسارة جزء من المكانة التي اكتسبوها خلال الفترة الماضية، خاصة في ظل وجود انقسامات إقليمية حول الصراع الإيراني الإسرائيلي.
وتابع أن الجماعة تسيطر على مناطق واسعة من اليمن ومؤسسات الدولة في صنعاء وتدير موارد مالية مهمة ولذلك فإن احتياجاتها المستقبلية لا تقتصر على الدعم العسكري الذي توفره إيران بل إلى متطلبات التنمية وإعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي، وهي ملفات تمتلك السعودية قدرة أكبر على التأثير فيها.
مستقبل الحوثيين والحرب الإيرانية الأمريكية
وأشار البقيعي إلى أن إيران نفسها تدرك أن نفوذها على الحوثيين ليس مضمونا على المدى الطويل، خاصة بعد اقتراب الجماعة من توقيع تفاهمات مع المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة، وهو ما يفسر حرص طهران على الحفاظ على قنوات التواصل مع الحوثيين دون افتراض تبعيتهم الكاملة لها.
وأكد أن إحجام السعودية ودول الخليج عن الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران ساهم في تقليل فرص توسع الصراع، كما دفع الحوثيين إلى التريث وعدم الانخراط بصورة مؤثرة في الحرب، إدراكا منهم أن مستقبلهم السياسي مرتبط بإمكانية الاندماج في محيطهم العربي والتوصل إلى تسوية دائمة مع المملكة العربية السعودية.
ورجح البقيعي استمرار الحوثيين في تنفيذ عمليات ضد إسرائيل دون الذهاب إلى خطوات تصعيدية كإغلاق مضيق باب المندب، لما قد يترتب على ذلك من تقويض فرص التسوية السياسية في اليمن وإطالة أمد الصراع بما يهدد وحدة الدولة اليمنية.
واعتبر البقيعي أن طهران نجحت حتى الآن في منع خصومها من تحقيق أهدافهم المعلنة، سواء فيما يتعلق بإسقاط النظام أو إنهاء البرنامج النووي أو برنامج الصواريخ الباليستية أو وقف نفوذها الإقليمي، مشيرا إلى أن كلفة المواجهة ارتفعت على مختلف الأطراف.
وتابع البقيعي حديثه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستتجه على الأرجح نحو المسار التفاوضي، موضحا أن الجانب العسكري بلغ حدوده القصوى وأن واشنطن باتت تدرك صعوبة تحقيق أهدافها عبر القوة العسكرية وحدها، متوقعا التوصل إلى تفاهمات جديدة بشأن الملف النووي الإيراني مع استمرار الضغوط المتبادلة والعمليات المحدودة خلال فترة المفاوضات.