هل تنجح مصر في تحويل الاستثمارات والصفقات الكبرى إلى نمو اقتصادي مستدام؟
تشهد مصر تحولًا ملحوظًا في تدفقات النقد الأجنبي القادمة من عدة مسارات، تشمل الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتمويلات الدولية، إلى جانب الصفقات الاقتصادية الكبرى التي تستهدف قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والبنية التحتية والعقارات.
جبل الزيت.. صفقات الدولة الأخيرة
ومن بين أبرز الصفقات التي أثارت اهتمامًا مؤخرًا، صفقة تطوير وتشغيل منطقة جبل الزيت لطاقة الرياح بالبحر الأحمر، والتي تقدر قيمتها بنحو 420 مليون دولار، ويُتوقع أن تسهم في رفع القدرة الإنتاجية لمحطات الرياح في المنطقة بما يصل إلى 580 ميجاوات، بما يعزز توجه الدولة نحو الطاقة المتجددة.
حزمة الاستثمارات والمشروعات الكُبرى
كما تشمل حزمة الاستثمارات والمشروعات الكبرى التي تشهدها الدولة العديد من القطاعات، من بينها توسعات الساحل الشمالي والمدن الجديدة، إلى جانب مشروعات البنية التحتية والموانئ والمناطق اللوجستية، في إطار توجه أوسع لجذب رؤوس الأموال وتعزيز التنمية.
حجم التدفقات الاستثمارية وما يعود على الدولة؟
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي علي الإدريسي أن التحدي الحقيقي أمام الاقتصادات الناشئة لا يتمثل في حجم التدفقات الاستثمارية فقط، بل في قدرتها على توجيه هذه التدفقات نحو القطاعات الإنتاجية.
وأوضح الإدريسي في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم" أن جذب رؤوس الأموال خطوة مهمة، إلا أن الأهم هو مدى مساهمتها في خلق فرص عمل مستدامة، وزيادة الطاقة الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، مشيرًا إلى أن الاستثمار الذي لا يترك أثرًا إنتاجيًا حقيقيًا يظل محدود الفاعلية مهما كان حجمه.
وأضاف أن الاقتصادات التي تعتمد على تدفقات مالية دون توسع موازٍ في الصناعة والإنتاج تظل عرضة للتقلبات الخارجية، حتى وإن بدت مؤشرات الاستقرار فيها قوية على المدى القصير، موضحًا أن القيمة الحقيقية للاستثمار تُقاس بمدى تحوله إلى نشاط اقتصادي فعلي داخل السوق المحلي.
أبرز التحديات في الاقتصادات الناشئة
وفي السياق ذاته، أكد الخبير الاقتصادي رضا لاشين أن أحد أبرز التحديات في الاقتصادات الناشئة يتمثل في الفجوة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي؛ حيث يعكس الأول حركة الأموال داخل البنوك والأسواق المالية، بينما يرتبط الثاني بالإنتاج والتشغيل والتصنيع.
وأضاف لاشين أن تحسن المؤشرات النقدية مثل الاحتياطي الأجنبي أو تدفقات الاستثمار لا يعني بالضرورة تحسن النشاط الاقتصادي الحقيقي، ما لم ينعكس ذلك على الصناعة والصادرات وسوق العمل، مشيرًا إلى أن جودة الاستثمار أهم من حجمه، إذ إن النوعية هي التي تحدد الأثر طويل الأجل على الاقتصاد.
تحديات تحويل الاستثمارات إلى قيمة مضافة
كما أشار الخبير الاقتصادي أشرف غراب إلى أن الاقتصادات الناشئة غالبًا ما تواجه تحديًا في تحويل الاستثمارات إلى قيمة مضافة حقيقية، بسبب اعتماد جزء من هذه الاستثمارات على قطاعات سريعة العائد مثل العقارات والأسواق المالية، مقارنة بالقطاعات الصناعية التي تحتاج إلى وقت أطول لتحقيق نتائج ملموسة.
وأضاف غراب أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى تحسن مؤقت في المؤشرات المالية دون انعكاس مماثل على معدلات التشغيل أو الإنتاج، وهو ما يخلق فجوة بين الأداء الكلي للاقتصاد وبين شعور المواطن بتحسن الأوضاع المعيشية.
وأوضح أن صفقة جبل الزيت تمثل نموذجًا مهمًا لمحاولة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية طويلة الأجل، خاصة في مجال الطاقة المتجددة.
التوسعات الاستثمارية الأخيرة في الدولة
وفي المقابل، تشير التوسعات الاستثمارية في قطاعات مثل العقارات والمدن الجديدة والمشروعات الساحلية إلى تركيز جزء من التدفقات على أصول طويلة الأجل ذات عائد خدمي واستثماري، وهو ما يطرح تساؤلات حول التوازن بين الاستثمار الإنتاجي والاستثمار الخدمي داخل الهيكل الاقتصادي.
وبحسب تحليلات مؤسسات دولية مثل البنك الدولي، فإن تحويل التدفقات المالية إلى نمو اقتصادي مستدام يتطلب تعزيز سلاسل القيمة المحلية، وتحسين بيئة الإنتاج، ودعم الصناعات التصديرية، إلى جانب جذب استثمارات طويلة الأجل قادرة على خلق تأثير اقتصادي ممتد وليس مؤقتًا.