صلاح نظمي.. "ملك اللحمة" غضب من العندليب.. وصنع أسطورة المعلم حلاوة العنتبلي
امتلك ملامح حادة وصوت جهوري وحضور فرض عليه أدوار الشر حتى بات أحد أشهر الوجوه التي ارتبطت في أذهان الجمهور بالرجل الذي يسعى دائماً لإفساد قصة الحب بين البطل وحبيبته، لكن خلف تلك الملامح القاسية عاش شخصية على النقيض مما تراه في السينما إذ كان في الحياة إنسان بسيط طيب القلب لا تشغله مساحة الدور أو قيمة الأجر بقدر ما كان يبحث عن الشخصية التي ترضيه فنياً.

ورغم مئات الأدوار التي قدمها ظل الجمهور يتذكره باعتباره "ملك اللحمة" و"المعلم حلاوة العنتبلي" أشهر جزار في تاريخ السينما المصرية، بينما كانت حياته الخاصة تحمل واحدة من أكثر قصص الوفاء في الوسط الفني.
كيف أصبح لقب "نظمي" اسم للعائلة؟
ولد الفنان صلاح نظمي واسمه الحقيقي صلاح الدين أحمد حسنين في 24 يونيو 1918 بحي محرم بك في الإسكندرية ولم يكن لقب "نظمي" اسم للعائلة في الأصل ولكن جاء بمحض الصدفة.
ففي سنوات الدراسة وقف والده أحمد حسنين أمام مدير المنطقة التعليمية لإلقاء قصيدة شعر، وعندما سأله المدير "من نظم هذه القصيدة؟" رد قائلاً "من نظمي" فظن المدير أن "نظمي" هو لقب العائلة ومن وقتها التصق الاسم بالأسرة وأصبح لقبها الرسمي.
موظف حكومة نهاراً وفنان ليلاً
لم يتجاوز صلاح نظمي عامه الأول عندما فقد والده، لتعكف والدته على تربيته مع أشقائه الثلاثة، تلقى تعليمه في مدارس الإرساليات الأمريكية، ثم التحق بكلية الفنون التطبيقية، وبعد تخرجه عمل في هيئة التليفونات، إذ تدرج في المناصب حتى وصل إلى درجة مدير عام، لكن الوظيفة الحكومية لم تمنعه من مطاردة حلمه الفني، فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتخرج منه في 1946، ليبدأ بعدها رحلة طويلة مع المسرح والسينما.

من خشبة المسرح إلى عرش أشرار السينما
كانت بدايته الفنية على المسرح بعد إن انضم إلي فرقة المطربة "ملك" وشارك في عدد من المسرحيات من بينها "الأمير والصعلوك" قبل أن ينتقل إلى فرقة فاطمة رشدي ثم إلي مسرح رمسيس وصنع لنفسه مكانة مميزة على خشبة المسرح.
مع دخوله عالم السينما وجد المخرجون فيه كل مواصفات الرجل الشرير من ملامح حادة وصوت جهوري ومميز وعينان ينبعث منهما الشر فكانت انطلاقته من فيلم "هذا جناه أبي" 1946 لتتوالى بعدها أعماله.
أكثر من 300 عمل فني حصيلة مشواره
شهدت فترة الأربعينيات مشاركة صلاح نظمي في نحو 10 أفلام، بينما كانت الخمسينيات نقطة انطلاق حقيقية، إذ قدم خلالها 36 فيلماً، من أبرزها "إسماعيل يس للبيع" و"بين الأطلال" و"الأستاذة فاطمة".

وفي الستينيات واصل حضوره القوي وشارك في نحو 35 فيلم من بينها "غروب وشروق" و"شيء من الخوف"و"بئر الحرمان"و"الناصر صلاح الدين".

أما في فترة السبعينيات فقد كانت من أكثر فترات نشاطه الفني حيث قدم ما يقرب من 63 فيلم من بينها "العمر لحظة" و"القطط والسمان"و"أفواه وأرانب"و"الشيماء".

وجاءت فترة الثمانينيات وهي المرحلة الأكثر إنتاجاً في مشواره بعدما شارك في نحو 74 فيلم من أبرزها "العار" و"المدمن"، و"الحب فوق هضبة الهرم" و"التوت والنبوت" و"الكف".

كما شكل "نظمي" ثنائي مميز مع الزعيم عادل إمام وشارك معه في 7 أفلام أبرزها "عصابة حمادة وتوتو"و"المتسول" و"المحفظة معايا"، بينما يبقى دوره الأشهر على الإطلاق هو دور "المعلم حلاوة العنتبلي" في فيلم "على باب الوزير"، إلي جانب شخصية "سليم أبو زيد" في فيلم "الأفوكاتو".

وخلال التسعينيات شارك على استحياء في 5 أفلام منها "الشيطانة" و"لولاكي" كما ترك بصمة واضحة في الدراما التلفزيونية من خلال عدة مسلسلات أبرزها "ليلة القبض على فاطمة"،و"الباقي من الزمن ساعة" و"الوليمة"، ليتجاوز إجمالي رصيده الفني أكثر من 300 عمل.
أزمة مع عبد الحليم حافظ
رغم هدوء طباعه دخل صلاح نظمي في واحدة من أشهر الأزمات الفنية مع الفنان عبد الحليم حافظ، بدأت القصة عندما استضاف أحد البرامج الإذاعية الشهيرة "العندليب" وسألته المذيعة "من صاحب أثقل دم في السينما المصرية؟" فرد دون تردد "صلاح نظمي".

شعر صلاح نظمي بإهانة كبيرة وقرر إقامة دعوى سب وقذف ضد عبد الحليم، وخلال جلسات المحكمة أوضح دفاع"العندليب" أن المقصود لم يكن شخص صلاح نظمي وإنما طبيعة الشخصيات التي يجسدها ببراعة على الشاشة باعتباره الفنان الأكثر إقناعاً في تقديم شخصية الرجل ثقيل الظل.
وانتهت القضية برفض الدعوى لكن عبد الحليم لم يكتفي بالحكم، إذ اصطحب صلاح نظمي إلى منزله وقدم له اعتذار شخصي ثم رشحه للمشاركة في فيلم "أبي فوق الشجرة" وتتحول الأزمة إلي صداقة.
30 سنة في خدمة زوجته
بعيداً عن الفن عاش صلاح نظمي واحدة من أكثر قصص الحب والوفاء فبعد إصابة زوجته التي أنجب منها ابنه الوحيد "حسين" بمرض أقعدها في الفراشطلبت منه أكثر من مرة أن يتزوج حتى لا يبقى وحيداً، لكنه، واختار أن يقضي باقي حياته لرعايتها وبات يخدمها بنفسه لمدة تقارب 30 عاماً وأنفق معظم دخله على علاجها.

النهاية التي لم تكتبها الأفلام
عندما رحلت زوجته انهار صلاح نظمي ودخل في حالة من الحزن الذي ينذر بالاكتئاب حتى تدهورت حالته الصحية ونقل إلى المستشفى حيث قضى بها عدة أشهر داخل غرفة العناية المركزة قبل أن يرحل في 16 ديسمبر 1991، وكأن قلبه لم يحتمل الحياة بعد فراق شريكة عمره.
رحل صلاح نظمي لكن بقيت أعماله شاهدة على موهبة استثنائية، وبقيت سيرته الإنسانية دليلاً على أن الرجل الذي أرعب الجمهور في أدوار الشر ضرب في الحقيقة المثل في الوفاء وطيبة القلب.