صدمة الواقعية.. هل كسر مسلسل "فل ورد وياسمين" عقدة النهايات السعيدة؟
لسنوات طويلة ارتبطت المسلسلات في أذهان المشاهدين بنهايات وردية تنتصر للخير وتجلب البهجة لكن يبدو أن هذه القاعدة بدأت تتغير بشكل ملحوظ.
ومع إسدال الستار على مسلسل "فل ورد وياسمين" بوفاة البطلة نتيجة المرض ثار جدل كبير بين صناع الفن والجمهور حول الشجاعة التي باتت تمتلكها شاشاتنا في مواجهة المشاهد بالواقع وقسوته في مقابل رغبة قطاع من الجمهور بالهروب من ضغوط حياته اليومية.
أحمد سعد الدين: الدراما أصبحت أكثر جرأة في مواجهة الجمهور بالواقع
قال الناقد الفني أحمد سعد الدين إن المشاهد مر بمراحل زمنية متباينة في تذوقه للنهايات الدرامية وأن السينما والدراما في فترات الخمسينيات والستينيات وحتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي كانت تنحاز بشكل شبه دائم إلى "النهايات السعيدة" لرغبة صناع الأعمال في إرجاع الجمهور إلى بيوتهم بحالة من البهجة والارتياح وهو ما جعل الحلقات الأخيرة بمثابة احتفالية ينتصر فيها الخير دائمًا.
وذكر أحمد سعد الدين في تصريح خاص لـ"بلدنا اليوم" أنه مع بداية الثمانينيات ظهر تيار "الواقعية الجديدة" في السينما على يد رواد كبار مثل محمد خان وعاطف الطيب وخيري بشارة وداوود عبد السيد حيث تبنى هذا التيار رؤية مغايرة تقر بأن الخير لا ينتصر على الشر دائمًا في أرض الواقع وفتح الباب أمام تقديم نهايات صادمة وغير مألوفة للمتلقي.
وأوضح أن تلك المدارس الواقعية رسخت لفكرة عدم حتمية فوز البطل أو حصوله على حقه كامل بل ينتهي به المطاف إلى الهزيمة أو الانكسار وأن هذا التيار امتد وتغلغل في صناعة الدراما التليفزيونية الحديثة التي باتت تتقبل صدمة الجمهور بوفاة البطلة أو دخولها السجن حتى وإن كانت مظلومة ما دام ذلك يتوافق مع المنطق الواقعي للمجتمع.
وأضاف أن اللجوء إلى النهايات الواقعية كما جرى في عمل مثل "فل ورد وياسمين"-يمنح الدراما مصداقية أكبر لدى المشاهدين وتعكس الحقيقة التي يعيشها البشر يوميًا إذ ليس من المنطقي أن تنتهي كل الحكايات بنهايات وردية وسعيدة في عالم لا يعرف السعادة الكاملة.
وتابع أن صناع الدراما التليفزيونية أظهروا جرأة واضحة في السنوات الأخيرة مقارنة بالفترات الماضية وأن الأعمال المعروضة لم تعد تخشى مواجهة الجمهور بالحقائق الإنسانية والاجتماعية القاسية.
وأكد أن هذه الجرأة في الطرح تعكس النضج الذي وصلت إليه الشاشة الفضية لاسيما وأن المشاهد أصبح أكثر وعي وتقبل للحلول الدرامية التي تشبه حياته اليومية وتفاصيلها المعقدة.
وأكمل أن معيار جودة العمل الفني لم يعد مرتبط بمدى رضا الجمهور عن مصير الأبطال بقدر ارتباطه بمدى أمانة العمل في نقل الواقع والاتساق مع البناء الدرامي للشخصيات منذ الحلقة الأولى.
وأردف أن التطور الذي يحدث في الساحة الفنية حاليًا يفتح الباب أمام كتاب السيناريو لتقديم رؤى مغايرة تمامًا للقوالب الكلاسيكية الجاهزة مما يثري التنوع الإبداعي في السوق الدرامي الرمضاني وخارجه.
واختتم أن الخمس سنوات الأخيرة كان هناك طفرة وتطور درامي كبير وملحوظ على مستوى السرد واختيار الموضوعات وأن القيمة الفنية الحقيقية لأي عمل باتت تقاس بمدى جرأته ومصداقيته في ملامسة قضايا المجتمع دون تجميل.

ماجدة خير الله: نهاية "فل ورد وياسمين" حتمية وعلى الجمهور أن ينضج
قالت الناقدة الفنية ماجدة خير الله إن الدراما هي دراما في كل مكان وصاحبها ومؤلفها هو الوحيد الذي يملك الحق الكامل في تحديد الرسالة التي يريد تقديمها والنهاية التي يرغب في الوصول إليها عبر عمله الفني.
وذكرت ماجدة خير الله في تصريح خاص لـ "بلدنا اليوم" أن فكرة تصوير العمل الفني كأداة لإسعاد المشاهد هي فكرة خاطئة والجمهور الذي لا يريد أن يحزن يمكنه ببساطة العزوف عن متابعة المسلسل بدل من فرض رغبته على السياق الدرامي.
وأوضحت أن نهاية مسلسل "فل ورد وياسمين" جاءت متسقة تماما مع المنطق للأحداث منذ البداية ركزت القصة على أن البطلة مريضة بالسرطان في حالة متأخرة وجاء كلام الطبيب المعالج بأن فرص نجاتها كانت مرهونة باكتشاف المرض قبل ستة أشهر ليمهد صراحة لهذه النهاية الحتمية.
وأضافت أن الهدف الأساسي من هذه النهاية هو إيصال رسالة بأن الحياة تستمر رغم رحيل الأبطال ورغم القسوة ومن غير المقبول المطالبة بمنح مرضى السرطان أمل زائف عبر شاشات الدراما بينما يقول الواقع والمنطق الطبي غير ذلك.
وتابعت أن الجمهور يجب أن ينضج ولا ينتظر من الدراما والعمل الفني أن يعلمه التاريخ أو يحدد له السياسة أو يملي عليه الأخلاق أو يضمن له عدم الحزن فالمسلسل يقدم رؤية فنية مستقلة ولا يسير وفق أهواء المتابعين.
وأكدت أن هناك أعمال أخرى تختار مسارات مغايرة تنتهي بزواج الأبطال والإنجاب والعيش في "تبات ونبات" وهي نهايات قد تبسط الناس وتسعدهم بشكل مؤقت لكنها لا تصلح لجميع القصص الدرامية.
وأردفت أن معيارها الأساسي والأهم في تقييم أي نهاية درامية هو مدى منطقيتها واتساقها مع ما عرض طوال الأحداث بغض النظر عن كونها سعيدة أو حزينة.
واختتمت أن القيمة الفنية الحقيقية للمسلسلات تكمن في احترام عقلية المشاهد وتقديم أحداث منطقية ومترابطة دون اللجوء إلى تزييف الحقائق أو تجميل الواقع لإرضاء العواطف المؤقتة للجمهور.
عماد يسري: الاختيار الصحيح لنهاية المسلسل يحدده تماسك القصة
قال الناقد الفني عماد يسري إن التصنيف الفني للنهايات لا يمكن حسمه بمعايير ثابتة أو تعميمها على كل المسلسلات لأن البناء الدرامي يحسب على حسب الرؤية الفنية الخاصة بصناع العمل وما تتطلبه الحبكة سواء كانت القصة خيالية أو واقعية.
وتابع أن ربط القيمة الفنية للعمل بمدى واقعية النهاية يرجع بالأساس إلى مضمون القصة المقدمة ومدى تماسكها وليس لمجرد اختيار نهاية صادمة أو حزينة دون مبرر درامي.
وأكد أن النهاية التي تنبع من قلب المضمون وتخدم الفكرة الأساسية للعمل هي الاختيار الصحيح الذي يضمن وصول المسلسل للجمهور بشكل كامل ويساهم في تحقيق النجاح الفني والجماهيري.
وأكمل أن صناع الدراما يمتلكون الحرية الكاملة في صياغة مصائر شخصياتهم بناء على الواقع الذي يناقشونه ما دامت هذه النهايات تخدم الرسالة المراد إيصالها للمشاهد في نهاية المطاف.
وأردف أن الجمهور يتقبل كافة أنواع النهايات ما دامت مقنعة ومبنية على أحداث منطقية ومبررة طوال حلقات المسلسل ولا يشترط دائما تقديم نهاية وردية لكي ينجح العمل.
