من «الثقة» إلى «التهديد».. كيف تحولت الخصوصية الزوجية إلى أداة للابتزاز؟
في السابق، كان يُنظر إلى الزواج باعتباره مساحة للأمان والثقة والخصوصية، لكن مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، ظهرت جرائم جديدة هزّت المجتمع أبرزها الابتزاز الجنسي داخل العلاقة الزوجية، حيث تتحول الصور والمقاطع الخاصة التي التُقطت برضا الزوجة أثناء الحياة الزوجية إلى وسيلة للتهديد والإكراه بعد الخلاف أو الانفصال.
ولم تعد هذه الوقائع استثناءً، بل باتت تتكرر أمام المحاكم وأجهزة مكافحة جرائم تقنية المعلومات، في مشهد يطرح تساؤلات خطيرة حول التحولات الاجتماعية التي جعلت بعض الأزواج يستخدمون أكثر لحظات الثقة والخصوصية كسلاح للانتقام.
من علاقة قائمة على الثقة إلى وسيلة للإذلال
في السنوات الأخيرة، كشفت قضايا متتالية عن نمط متشابه؛ زوج يهدد زوجته بنشر صورها الخاصة لإجبارها على التنازل عن حقوقها، أو العودة إلى منزل الزوجية، أو قبول الطلاق دون مؤخر أو نفقة، أو التنازل عن حضانة الأطفال.
وفي بعض الحالات، يتحول الابتزاز إلى عقاب نفسي طويل الأمد، يستمر حتى بعد انتهاء العلاقة الزوجية، في ظل إدراك الجاني لحجم الخوف الذي تعيشه الضحية من الفضيحة المجتمعية.
وتكشف هذه الجرائم عن تحول خطير؛ إذ لم يعد العنف ضد المرأة يقتصر على الاعتداء الجسدي أو اللفظي، بل أصبح يشمل استخدام الخصوصية الرقمية كسلاح للسيطرة والانتقام.
انهيار الروابط الأسرية
ورصد المجلس القومي للمراة بعض الوقائع التي تعرضن للأبتزاز الجنسي وتجسدها الواقعة التي حدثت في نوفمبر 2023 عقب انفصال المجني عليها الأولي من المتهم بالتطليق خُلعًا، تعرضت بعدها وشقيقتها للتهديد والابتزاز، ما دفعهما للتقدم ببلاغ فى مايو 2024 ضد المتهم.
استمرت التحقيقات ما يقارب عشرة أشهر، وأحالت النيابة المتهم للمحاكمة بعدها في يناير الماضي، بعدما وجهت له اتهامات بتهديد طليقته بإفشاء أمور شخصية بنشر صور التقطت أثناء فترة زواجه منها، وكان تهديده بغرض الانتقام منها بعد حصولها على حكم بالتطليق خلعًا، لإجبارها على التنازل عن حضانة الصغار ومسكن الحضانة، كما هدد شقيقة طليقته، بصور تم تصويرها خلسة بغرض الحصول علي منفعة جنسية. وجهت له أيضًا تهمة التعدى علي حرمة الحياة الشخصية للمجني عليهما، وإنشاء حساب علي الشبكة المعلوماتية بغرض ارتكاب هذه الجرائم. وطالبت النيابة العامة
وشهدت أيضا محافظة أسيوط واقعة مماثلة، عندما اتُّهم شقيق بالاتفاق مع عنصر جنائي لسرقة هاتف شقيقته واستخراج صورها الخاصة وابتزازها ماليًا، في مؤشر خطير على أن جرائم الابتزاز لم تعد تقتصر على الأزواج أو الأزواج السابقين، بل امتدت إلى أقرب الروابط الأسرية.
ماذا تقول القوانين؟
يجرم القانون المصري أفعال الابتزاز الإلكتروني، والتهديد، وانتهاك حرمة الحياة الخاصة، ونشر أو التهديد بنشر صور أو مقاطع شخصية دون موافقة أصحابها، كما أن العلاقة الزوجية لا تمنح أي طرف حق استخدام ما حصل عليه من صور أو تسجيلات للإضرار بالطرف الآخر، وبالتالي فإن تصوير أو الاحتفاظ أو نشر أو التهديد بالنشر بقصد الإكراه أو الانتقام قد يشكل جرائم متعددة، تختلف بحسب ظروف كل واقعة، ويختص القضاء بتقديرها وتوقيع العقوبات المقررة قانونًا.
وتقول المادة 25 من قانون العقوبات: يعاقب كل من ينتهك حرمة الحياة الخاصة أو يعتدي على القيم الأسرية بالحبس لا يقل عن 6 أشهر وغرامة من 50 إلى 100 ألف جنيه.
أما المادة 26 فتعاقب بالسجن لمدة لا تقل عن العامين ولا تزيد عن خمس سنوات، ودفع غرامة ما بين 100 ألف إلى 300 ألف جنيه، حتى لو كانت الضحية على علاقة بالمبتز وأرسلت له سابقاً صوراً شخصية.
والمادة 27 تعاقب كل من ينشر عبر الإنترنت صوراً تنتهك خصوصية شخص دون رضاه بالحبس لا يقل عن سنتين وغرامة من 100 إلى 300 ألف جنيه.
ماذا يقول الخبراء؟
وأكدت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن جرائم الابتزاز الإلكتروني ترتبط بتراجع منظومة القيم لدى بعض الأفراد، وسوء استخدام التكنولوجيا، مشيرة إلى أن هذه الجرائم تستغل خوف الضحية من الوصمة المجتمعية، وهو ما يمنح الجاني شعورًا زائفًا بالقدرة على السيطرة والضغط. وتضيف أن المواجهة لا تقتصر على العقوبات القانونية، بل تتطلب تعزيز الوعي الأسري والرقمي، وترسيخ ثقافة احترام الخصوصية وعدم لوم الضحية.
ومن جانبه، أوضح الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن المبتز غالبًا ما يسعى إلى فرض السيطرة النفسية على الضحية أكثر من تحقيق مكسب مادي، مستغلًا ما يعرف بـ"الخوف من الفضيحة"، وهو ما قد يدفع بعض الضحايا إلى العزلة أو الإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق، وفي بعض الحالات قد تتطور الضغوط النفسية إلى محاولات لإيذاء النفس إذا لم تتلقَ الضحية الدعم الكافي.
الآثار النفسية... جروح لا تُرى
وأضاف أن ضحايا الابتزاز الجنسي من النساء يعانين غالبًا من:
القلق المزمن.
الاكتئاب.
فقدان الشعور بالأمان.
العزلة الاجتماعية.
اضطرابات النوم.
الخوف المستمر من تنفيذ التهديد.
وبين أنه في بعض الحالات، قد تدفع الضغوط النفسية الشديدة الضحية إلى إيذاء نفسها أو التفكير في الانتحار، وهو ما يجعل الابتزاز جريمة تتجاوز حدود العالم الرقمي إلى تهديد مباشر للحياة.