بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

السبق الإعلامي أم دقة المعلومة؟.. خبراء يجيبون لـ«بلدنا اليوم»: لماذا تأخر البيان المصري وسبقت الوكالات الدولية؟

أرشيفية
أرشيفية

منذ الساعات الأولى لواقعة الطائرة المسيّرة التي استهدفت محيط ميناء دمياط، لم يتوقف الجدل عند طبيعة الحادث أو تداعياته الأمنية، بل امتد إلى مشهد إعلامي فرض نفسه بقوة؛ إذ سارعت وكالات أنباء دولية إلى نشر أخبار وتقديرات حول الواقعة، بينما فضلت الدولة المصرية انتظار اكتمال الصورة قبل إصدار الرواية الرسمية.

 

هذا المشهد أعاد إلى الواجهة تساؤلات عديدة حول فلسفة إدارة المعلومات في الأزمات: هل أصبحت سرعة النشر معياراً للمصداقية؟ ولماذا لا تتعامل الدولة مع مثل هذه الوقائع بمنطق السبق الإعلامي؟ وهل تأخر البيان الرسمي يعكس غياب المعلومات، أم أنه جزء من إدارة الأزمة نفسها؟

 

«بلدنا اليوم» حملت هذه الأسئلة إلى اثنين من أبرز القادة العسكريين والاستراتيجيين؛ اللواء أركان حرب نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، واللواء محمد الغباري، مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق ، فجاءت إجاباتهم لتكشف رؤية متقاربة في جوهرها، وإن اختلفت في زاوية التحليل، مؤكدين أن الدولة تعاملت مع الواقعة وفق حسابات الأمن القومي، وليس بمنطق السباق على نشر الخبر.

<span style=
اللواء أركان حرب نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق

نصر سالم: السبق الإعلامي لا يمنح أحداً الحقيقة

 

يرى اللواء أركان حرب نصر سالم أن جزءاً كبيراً من الجدل الذي صاحب الواقعة ارتبط بتوقيت نشر الأخبار أكثر من ارتباطه بطبيعة الحدث نفسه، موضحاً أن تسابق الوكالات الأجنبية على نشر المعلومات أمر طبيعي في ظل المنافسة الإعلامية العالمية.

 

وقال في تصريحات لـ«بلدنا اليوم»: “ده شيء طبيعي جداً.. الكل عايز يعمل سبق صحفي وسبق إعلامي” لكنه يرفض الربط بين السبق الإعلامي وصحة المعلومات، مؤكداً أن القضايا الأمنية لا تُبنى على الانطباعات أو التسريبات، وإنما على نتائج تحقيقات رسمية وفنية قد تستغرق وقتاً للوصول إلى الحقيقة كاملة.

 

ويضيف أن الدولة ليست طرفاً في سباق إعلامي، وإنما تتحمل مسؤولية إصدار معلومات دقيقة، لأن أي معلومة غير مكتملة قد تفتح الباب أمام تفسيرات خاطئة أو استنتاجات تضر بالمصلحة العامة.

 

ومن هنا، يلفت نصر سالم إلى نقطة يعتبرها جوهرية، وهي أن عدم إعلان الدولة بعض التفاصيل لا يعني أنها تجهلها، بل قد يكون جزءاً من إدارة الأزمة، سواء للحفاظ على مجريات التحقيق أو لتحقيق اعتبارات تتعلق بالأمن القومي.

 

ويؤكد أن الحكم على أداء مؤسسات الدولة يجب أن يكون من خلال النتائج، لا من خلال سرعة إصدار البيانات.

 

الاحترافية بدأت من أرض الميناء

 

ورغم التركيز الإعلامي على الجهة التي تقف وراء الواقعة، يرى رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق أن المشهد الحقيقي الذي يستحق التوقف عنده كان داخل ميناء دمياط.

 

فبحسب وصفه، فإن سرعة تحرك الأطقم المصرية لسحب السفن المشتعلة بعيداً عن الميناء، بالتزامن مع تدخل فرق الإطفاء للسيطرة على الحريق، منعت وقوع خسائر أكبر، وعكست مستوىً عالياً من الجاهزية والتدريب.

 

ويشدد على أن هذه النماذج تؤكد أن مؤسسات الدولة لا تعمل بردود فعل عشوائية، وإنما وفق خطط واستعدادات مسبقة، وهو ما ظهر بوضوح في احتواء الموقف خلال وقت قياسي.

<span style=
اللواء محمد الغباري، مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق

الغباري: البيانات الرسمية تُبنى على الأدلة لا التوقعات

 

أما اللواء محمد الغباري، فيتناول القضية من زاوية أشمل، معتبراً أن إدارة المعلومات أصبحت أحد أهم ميادين الصراع في العصر الحديث.

 

ويؤكد أن أي أزمة كبرى تمر بثلاث مراحل إعلامية متكاملة؛ ما قبل الحدث، وأثناءه، وما بعده، مشيراً إلى أن البيان الرسمي لا يمكن أن يصدر اعتماداً على تقديرات أو روايات متداولة، وإنما يجب أن يستند إلى معلومات دقيقة ونتائج موثقة، ويقول: "أنا لازم أطلع بيان يستند على معلومات."

 

ويضيف أن أولويات الدولة في مثل هذه الوقائع تبدأ باحتواء آثار الأزمة على الأرض، وتأمين الأرواح والمنشآت، ثم جمع الأدلة وتحليلها، وبعد ذلك يأتي دور الإعلان الرسمي.

 

ومن وجهة نظره، فإن مطالبة مؤسسات الدولة بإصدار بيانات تفصيلية قبل اكتمال المعلومات قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذا اضطرت لاحقاً إلى تعديل أو تصحيح ما أعلنته.

 

لماذا كانت الوكالات الأجنبية الأسرع؟

 

وفي قراءته للمشهد الإعلامي، يرى الغباري أن الإعلام الدولي يتحرك بطبيعة مختلفة عن المؤسسات الرسمية، لافتاً إلى أن الصراعات الحديثة لم تعد عسكرية فقط، وإنما يصاحبها نشاط إعلامي مكثف يسعى إلى تشكيل الانطباعات الأولى لدى الرأي العام.

 

ويعتبر أن هذا الواقع يفرض على الدولة التمسك بالدقة، حتى وإن جاء ذلك على حساب سرعة النشر، لأن الثقة في الرواية الرسمية تُبنى على صحتها واستنادها إلى الأدلة، وليس على توقيت صدورها.

 

الحروب الهجينة... معركة تبدأ بالمعلومة

 

ويتفق الخبيران على أن التطورات الإقليمية أفرزت نمطاً جديداً من المواجهات، أصبحت فيه المعلومة عنصراً لا يقل تأثيراً عن السلاح.

 

ويصف نصر سالم هذا الواقع بأنه امتداد للحروب الهجينة، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع الحملات الإعلامية والشائعات والحرب النفسية، فيما يرى الغباري أن معركة الوعي أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة الأمن القومي.

 

ومن هنا، يؤكدان أن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة خلال الأزمات ليس فقط التهديد الميداني، وإنما انتشار معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة، قد تؤثر في ثقة المواطنين أو تمنح مساحة أوسع للشائعات.

 

رسائل طمأنة وثقة

 

وخلال الحوارين، حرص الخبيران على التأكيد أن جاهزية مؤسسات الدولة لم تتجسد فقط في التعامل الميداني مع الواقعة، وإنما أيضاً في إدارة الأزمة بصورة مؤسسية، سواء من خلال احتواء آثار الحادث أو استكمال التحقيقات قبل إعلان النتائج.

 

كما شددا على أن التطوير المستمر لقدرات القوات المسلحة ومنظومات الدفاع الجوي يمثل نهجاً ثابتاً في مواجهة التهديدات المستحدثة، مؤكدين أن أي حادث يخضع للمراجعة واستخلاص الدروس، وهو ما تقوم به جميع الجيوش المحترفة في العالم.

 

الوعي... خط الدفاع الأول

 

وفي ختام حديثهما، وجه اللواء نصر سالم واللواء محمد الغباري رسالة متقاربة للمواطن المصري، مؤكدين أن الوعي يمثل أحد أهم عناصر حماية الدولة في ظل الحروب الحديثة.

 

ودعوا إلى الاعتماد على المصادر الرسمية، وعدم الانسياق وراء الأخبار غير الموثقة، مؤكدين أن التريث في إصدار المعلومات لا يعني غيابها، وإنما يعكس حرص الدولة على تقديم رواية دقيقة تحافظ على الأمن القومي وتستند إلى الحقائق.

 

وفي النهاية، تبدو الرسالة التي اتفق عليها الخبيران واضحة؛ فالدول لا تُقاس بقدرتها على نشر الخبر أولاً، وإنما بقدرتها على إدارة الأزمة بكفاءة، وحماية مواطنيها، وتقديم الحقيقة عندما تكتمل عناصرها، وفي زمن أصبحت فيه المعلومة سلاحاً، يبقى الوعي والثقة في مؤسسات الدولة أحد أهم خطوط الدفاع عن الأمن القومي المصري.

تم نسخ الرابط