بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

خبير اقتصادي: تطوير الدعم لزيادة كفاءة الإنفاق وضمان وصوله للمستحقين

أيمن غنيم
أيمن غنيم

صرح الدكتور أيمن غنيم، أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادي والقانوني، بأن تطوير منظومة الدعم من أهم ملفات الحماية الاجتماعية، موضحا أن الهدف ليس تقليل ما تتحمله الدولة لصالح المواطن، وإنما زيادة كفاءة كل جنيه تنفقه الدولة على الحماية الاجتماعية وضمان وصول أكبر جزء منه إلى المواطن المستحق.

 

وأضاف في تصريحات خاصة لموقع بلدنا اليوم، أن هذا التوجه يتسق مع سياسة الرئيس عبد الفتاح السيسي التي جمعت خلال سنوات الإصلاح الاقتصادي بين تصحيح الاختلالات المالية والتوسع المستمر في شبكات الحماية الاجتماعية.

 

 

وأضاف "غنيم"، أن الدولة خصصت في موازنة العام المالي 2027/2026 نحو 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، إلى جانب نحو 55.3 مليار جنيه لبرنامج تكافل وكرامة والمساعدات الاجتماعية المرتبطة به، كما يستفيد برنامج تكافل وكرامة حاليا نحو 4.7 مليون أسرة، وهو ما يعكس أن الحماية الاجتماعية أصبحت مكونا مؤسسيا وأساسيا في السياسة الاقتصادية للدولة وليست مجرد إجراء مؤقت لمواجهة الأزمات.

 

وأوضح "غنيم"، أن برنامج تكافل وكرامة، الذي انطلق عام 2015 في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، يقدم نموذجا واضحا للتحول نحو الدعم الأكثر استهدافا، وقد توسعت مظلة التحويلات النقدية بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية.
 

وتشير دراسات البنك الدولي إلى أن تغطية برامج التحويلات النقدية في مصر تضاعفت عدة مرات بين 2016 و2021، بينما أصبح تكافل وكرامة واحدا من أكبر برامج الحماية الاجتماعية في المنطقة.
 

وتابع "غنيم"، أن الميزة الاقتصادية الأساسية للدعم النقدي تكمن في أنه ينقل الدعم مباشرة إلى المواطن بدلا من دعم السلعة في مراحل الإنتاج والنقل والتوزيع، وبالتالي يقلل حلقات الوساطة والتكلفة الإدارية واحتمالات الفاقد، كما يمنح الأسرة حرية أكبر في توجيه الدعم وفق احتياجاتها الحقيقية؛ فالأسرة التي تحتاج إلى زيت أكثر وأرز أقل، على سبيل المثال، تستطيع إعادة توزيع إنفاقها بدلا من الحصول على سلة واحدة لا تراعي اختلاف احتياجات الأسر.

 

وأشار "غنيم"، إلى أن التجارب الدولية تدعم هذا الاتجاه، فبرنامج Bolsa Família في البرازيل أصبح واحدا من أشهر نماذج التحويلات النقدية الموجهة عالميا، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن التحويلات الاجتماعية، ومن بينها هذا البرنامج، ساهمت بين 2004 و2014 في نحو 85٪ من الانخفاض في الفقر المدقع و30٪ من انخفاض معدل الفقر، كما استفاد منه في إحدى مراحل توسعه نحو 46.9 مليون شخص، وهو ما يثبت أن الدعم النقدي يمكن أن يعمل على نطاق واسع إذا استند إلى قاعدة بيانات قوية.

 

وأضاف "غنيم"، أن المكسيك قدمت تجربة رائدة من خلال برنامج Progresa/Oportunidades ثم Prospera، الذي وصل إلى قرابة 6 ملايين أسرة وربط جانبا من التحويلات النقدية باستمرار الأبناء في التعليم والمتابعة الصحية، وأظهرت الدراسات تحسنا في الالتحاق بالتعليم وبعض المؤشرات الصحية، وهو ما يؤكد أن الدعم النقدي يمكن أن يتحول من مجرد مساعدة مالية إلى استثمار في رأس المال البشري.

 

وأشار إلى تجربة الهند في التحويل المباشر للمنافع Direct Benefit Transfer، حيث استخدمت الدولة الحسابات المصرفية والهوية الرقمية لإيصال الإعانات مباشرة إلى المستفيدين وتقليل الحسابات الوهمية والازدواجية والتسرب في حلقات التوزيع، والدرس المهم لمصر ليس استنساخ أي تجربة، وإنما الاستفادة من التكنولوجيا وقواعد البيانات بحيث يعرف النظام من يستحق الدعم ومقداره ووقت وصوله إليه.

 

 

وأوضح "غنيم"، أن التحول إلى الدعم النقدي لا يعني بالضرورة زيادة التضخم، لأن الدراسات الدولية لا تظهر أن التحويلات النقدية الموجهة تؤدي بصورة تلقائية إلى موجات تضخمية، فإذا كان التحول يعيد توزيع قيمة دعم قائمة بالفعل، وتم بالتدرج وفي سوق تتوافر فيه السلع، فإن الأثر العام على الأسعار يمكن احتواؤه؛ بل إن رفع كفاءة منظومة التوزيع وزيادة المنافسة بين التجار قد يحد من بعض التشوهات الموجودة في النظام الحالي.
 

وتابع "غنيم"، أن الاعتبار الأهم بالنسبة للمواطن ليس فقط الانتقال من سلعة إلى نقود، وإنما الحفاظ على القوة الشرائية للدعم النقدي، فإذا حصل المواطن على مبلغ ثابت بينما ارتفعت أسعار الغذاء بصورة كبيرة فإن القيمة الحقيقية للدعم تنخفض، ولذلك يجب أن توجد آلية لمراجعة قيمة المساندة دوريا وفق تطورات الأسعار والظروف الاقتصادية، وهو ما يجعل التحول أداة للحماية الحقيقية وليس مجرد تغيير في طريقة صرف الدعم.
 

وأكد "غنيم"، أن الاتجاه الذي ناقشته الدولة مؤخرا نحو منظومة نقدية وسلعية مرنة يمكن أن يكون مناسبا جدا للمرحلة الانتقالية، بحيث يجري الحفاظ على حماية خاصة لبعض السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الخبز، بالتوازي مع منح المواطن مساحة أكبر للاختيار في بقية السلع، فهذا النموذج يجمع بين كفاءة الدعم النقدي وضمان الأمن الغذائي للفئات الأكثر احتياجا، وهو أكثر ملاءمة من الانتقال المفاجئ من نظام إلى آخر.
 

وفيما يتعلق بنسبة الدعم التي لا تصل إلى المستحقين، أوضح غنيم أنه من المهم عدم تداول أرقام تاريخية باعتبارها تعكس الوضع الحالي؛ فقد قدر البنك الدولي في دراسة ترجع إلى بيانات 2008/2009 أن نحو 28٪ من دعم الغذاء آنذاك لم يصل إلى الاستخدام المقصود نتيجة تسربات مختلفة، لكن الدولة نفذت منذ ذلك الوقت عملية واسعة لميكنة بطاقات التموين وتنقية قواعد البيانات، وبالتالي لا يصح اعتبار هذه النسبة تقديرًا للوضع الحالي.
 

وأضاف "غنيم"، أن البيانات الأحدث تقدم مؤشرا أكثر فائدة على أهمية تحسين الاستهداف؛ إذ أشار البنك الدولي إلى أنه في 2019/2020 كانت بعض الأسر الموجودة ضمن أعلى شريحتي دخل لا تزال تحصل على دعم البطاقات والخبز بنسب مرتفعة، بينما تشير بيانات برنامج تكافل وكرامة إلى أن نحو 86٪ من مستفيديه ينتمون إلى أفقر 40٪ من الأسر، وهذا يوضح لماذا تستطيع آليات الدعم النقدي القائمة على قواعد بيانات دقيقة أن ترفع كفاءة توجيه الموارد الاجتماعية.

 

 

وأوضح "غنيم"، أن ضمان نجاح النظام يحتاج إلى قاعدة بيانات اجتماعية موحدة يتم تحديثها باستمرار وربطها بالدخل والملكية والتأمينات والمعاشات وسجلات التشغيل، مع وجود آلية سهلة للتظلم حتى لا يتم استبعاد مواطن مستحق بسبب خطأ في البيانات، مؤكدا أن التكنولوجيا لا يجب أن تكون وسيلة للاستبعاد، وإنما وسيلة للوصول بدقة أكبر إلى المستحق، وهو ما يتسق مع توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي المستمرة بالتركيز على الفئات الأولى بالرعاية.

 

 

وتابع غنيم أن التاجر الصغير يجب أن يكون جزءا من المنظومة الجديدة وليس ضحية لها، ولذلك يمكن الإبقاء على شبكة البقالين التموينيين وتزويدهم بأنظمة نقاط بيع إلكترونية تسمح للمواطن باستخدام رصيده النقدي أو الرقمي لديهم، كما يجب أن تكون رسوم المعاملات والتسويات المصرفية محدودة، وأن تصل مستحقات التاجر بسرعة، وأن تكون المنافسة متاحة بين البقال الصغير والسلاسل الكبرى حتى لا يؤدي تطوير الدعم إلى تركيز السوق في عدد محدود من الشركات.

 

 

واختتم الدكتور أيمن غنيم تصريحه بالتأكيد، على أن التطور الذي شهدته منظومة الحماية الاجتماعية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي يوفر لمصر قاعدة قوية للانتقال إلى جيل أكثر كفاءة من سياسات الدعم، وأن الدعم النقدي ليس انسحابا للدولة من دورها الاجتماعي، بل يمكن أن يكون تعميقا لهذا الدور من خلال توجيه الموارد بصورة أدق إلى من يحتاج إليها.

 

وأضاف أن النجاح يتطلب انتقالا تدريجيا، وتحديثا مستمرا لقيمة الدعم وقواعد بيانات المستفيدين، وضبط الأسواق، وحماية دور التاجر الصغير، مع الحفاظ على المكون السلعي عندما تقتضي اعتبارات الأمن الغذائي ذلك؛ والهدف النهائي هو أن تصل كل جنيه تخصصه الدولة للحماية الاجتماعية إلى المواطن بأكبر قيمة ممكنة.

تم نسخ الرابط