بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

هبة البشبيشي: سقوط آبي أحمد قد يدفع إثيوبيا لإعادة ترتيب المشهد السياسي

د. هبة البشبيشي متخصصة
د. هبة البشبيشي متخصصة في الشؤون الأفريقية

تعاني إثيوبيا من أزمة هيكلية عميقة تهدد تماسك كيانها الفيدرالي، حيث لم تعد التوترات محصورة في جرف إقليمي واحد، بل تحولت إلى شبكة معقدة من المواجهات المفتوحة التي تتقاطع فيها الطموحات القومية بالصراعات العرقية المسلحة.

 

هذا الواقع أفرز حالة من السيولة الأمنية والسياسية، تجلت في عودة الاقتتال الميداني وتآكل الثقة بين الحكومة المركزية وقادة الأقاليم المختلفة، مما جعل المشهد الإثيوبي لا يوجد به أي محاولات جادة لبناء استقرار مستدام.

 

ماذا لو سقط آبي أحمد؟

 

إثيوبيا .. قالت د. هبة البشبيشي خبيرة العلاقات الدولية والمتخصصة في الشؤون الأفريقية، إن سقوط رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة داخل إثيوبيا، من بينها حدوث حالة من التفكك بين المجموعات والقوى المتصارعة، خاصة في ظل وجود تحالفات قبلية وعرقية قوية داخل إثيوبيا.

 

وأوضحت في تصريحات خاصة لـ بلدنا اليوم أن بعض القوى وفي مقدمتها الأمهرة قد تسعى في حال انهيار الحكم المركزي إلى فرض سيطرتها على مناطق من الأراضي الإثيوبية وربما المطالبة بإدارة مستقلة، بينما يظل هناك سيناريو آخر يتمثل في إعادة تشكيل الحكم الفيدرالي من خلال شخصية جديدة تخرج من مؤسسة الجيش أو إحدى المؤسسات الوطنية.

 

وأضافت أن هذا السيناريو قد يقوم على صيغة جديدة لإدارة إثيوبيا تعتمد على تقاسم السلطة والثروات والعائدات بين المكونات المختلفة، مشيرة إلى أن الحديث عن نظام ديمقراطي بالمعنى التقليدي قد لا يكون دقيقا في ظل طبيعة المشهد السياسي والاجتماعي الإثيوبي.

 

ولفتت إلى أن إثيوبيا تضم أكثر من 300 مجموعة عرقية، إلا أن القوى الأكثر تأثيرا في الصراع الحالي تتمثل في التحالفات الكبرى، ومن بينها الأمهرة وقوى أخرى مرتبطة بها، ما يجعل مستقبل الدولة مرتبطا بدرجة كبيرة بقدرة هذه القوى على التوصل إلى صيغة لإدارة الخلافات الداخلية.

 

آبي أحمد قد يلجأ إلى الحوار الوطني

 

وأكدت البشبيشي أن آبي أحمد لن يتعامل بسهولة مع احتمال سقوط حكمه، مرجحة أن يلجأ إلى تحرك سياسي سريع للحفاظ على موقعه، من خلال الدعوة إلى مؤتمر وطني يضم مختلف المكونات والقوى المتصارعة، بهدف فتح مسار للحوار وإعادة ترتيب المشهد الداخلي.

 

وأشارت إلى أن آبي أحمد يمتلك خبرة سياسية تمكنه من التعامل مع الأزمات والمناورة داخل المشهد الإثيوبي، معتبرة أن قدرته على إدارة الأزمات لفترات طويلة ساعدته في الحفاظ على موقعه رغم الضغوط الداخلية.

 

وأوضحت أن الأزمة الحقيقية في إثيوبيا ترتبط بمشكلات داخلية تتعلق بالاندماج الوطني والصراع بين المكونات المختلفة، بينما لعب ملف سد النهضة دورا في تقديم غطاء خارجي لهذه الأزمات وإبعاد الاهتمام عن بعض الملفات الداخلية.

 

وتابعت أن ملف السد استحوذ على جانب كبير من الاهتمام الإقليمي والدولي خلال السنوات الماضية، في حين ظلت الصراعات الداخلية تمثل أحد أبرز التحديات أمام استقرار الدولة الإثيوبية.

سد النهضة الإثيوبي
سد النهضة الإثيوبي

غياب البديل الواضح يضع مستقبل الحكم أمام احتمالات مفتوحة

 

وأشارت إلى أنه حتى الآن لم يظهر قائد واضح يمكن اعتباره بديلا مباشرا لآبي أحمد، موضحة أن بعض العناصر العسكرية التي ظهرت في المشهد تتحدث بلغاتها المحلية، وهو ما يعكس تمسك قطاعات من هذه القوى بهويتها وعاداتها وتقاليدها.

 

وقالت إن بعض الأسماء المرتبطة بالمشهد الإثيوبي السابق عادت إلى الظهور، ومن بينها قائد من إقليم تيجراي، إلا أن صورة البديل السياسي القادر على قيادة البلاد بعد آبي أحمد لم تتضح حتى الآن.

 

وأكدت أن هذا الغياب يجعل الحديث عن شكل الحكم المقبل أمرا سابقا لأوانه، خصوصا أن آبي أحمد، بحسب تقديرها، شخصية سياسية عنيدة وتملك قدرة على المناورة، وقد تحاول استعادة زمام المبادرة من خلال تحرك سياسي جديد.

 

وأضافت أن مستقبل إثيوبيا سيتحدد بدرجة كبيرة وفقا لما ستفعله القوى الداخلية، وما إذا كانت ستتمكن من الوصول إلى صيغة جديدة للحكم، أو ستدخل البلاد في مرحلة أكثر تعقيدا من الصراع بين المكونات المختلفة.

 

أزمة إثيوبيا الداخلية قد تنعكس على مصر والسودان

 

وأكدت البشبيشي أن مصر ليست طرفا في الصراع الداخلي الإثيوبي، معتبرة أن ما يجري داخل إثيوبيا يمثل أزمة داخلية يفترض أن تعالجها القوى الإثيوبية عبر المسار السياسي، بعيدا عن محاولة نقل الصراع إلى دول الجوار.

 

وأوضحت أن التأثير الأكثر خطورة على مصر لا يرتبط بالصراع الداخلي في حد ذاته، وإنما باحتمال تعرض سد النهضة لأي عملية تخريبية تؤدي إلى خروج كميات كبيرة من المياه، وهو سيناريو ستكون تداعياته المباشرة أكثر خطورة على السودان.

مصر والسودان
مصر والسودان

وأشارت إلى وجود منظومات دفاعية حول السد، مؤكدة أن استمرار تأمين المنشأة يمثل عاملا مهما لتجنب أي سيناريو قد يؤدي إلى الإضرار بالسد، خاصة في حال تراجع قدرة القوات الإثيوبية على حماية المنشأة وتشغيل منظومات الدفاع الموجودة حولها.

 

وشددت على أن أي عملية تخريب أو تفجير تستهدف جسم السد قد تؤدي إلى تدفق المياه، وهو ما يجعل السودان في مقدمة الدول المعرضة لتداعيات هذا السيناريو، داعية إلى تجنب أي تحرك يمكن أن يعرض شعوب المنطقة للخطر.

 

مواجهة عسكرية مباشرة بين مصر وإثيوبيا ليست السيناريو المطروح

 

واستبعدت البشبيشي حدوث مواجهة عسكرية مباشرة بين مصر وإثيوبيا، مشيرة إلى اختلاف القدرات العسكرية بين البلدين، إلى جانب عدم وجود حدود برية مشتركة تسمح بانتقال الصراع إلى مواجهة مباشرة بين الجيشين.

 

وقالت إن الأولوية بالنسبة لإثيوبيا في حال استمرار أزماتها الداخلية ستكون التعامل مع الملفات والصراعات الموجودة داخل أراضيها، بدلا من الدخول في مواجهة خارجية مع دول أخرى.

 

وأضافت أن أي تهديد محتمل لمصر لن يكون مرتبطا بحرب مباشرة بين البلدين، وإنما بالآثار المائية التي قد تنتج عن تعرض سد النهضة لعملية تخريبية، وهو ما يجعل استقرار المنشأة وتأمينها مصلحة مشتركة لمصر والسودان.

 

وتابعت حديثها بالتأكيد على أن المشهد الإثيوبي ما زال مفتوحا أمام أكثر من احتمال، لكنها ترى أن آبي أحمد يواجه مرحلة صعبة وأن مستقبله السياسي أصبح محل اختبار حقيقي، سواء من خلال قدرته على إعادة ترتيب الوضع الداخلي أو اللجوء إلى حوار وطني يحافظ من خلاله على موقعه في الحكم.

تم نسخ الرابط