الذهب بين الفيدرالي والدولار والتوترات العالمية.. لماذا يتقلب المعدن الأصفر بهذه السرعة؟
269 دولارًا خسارة للأونصة عالميًا.. كيف تحرك الذهب بين قوة الدولار وقرارات الفائدة؟
6.04% عالميًا مقابل 3.08% في مصر.. ارتفاع الدولار يفسر الفارق
الذهب يخسر 135 جنيهًا في يوم واحد.. ماذا حدث؟
لم يكن سبتمبر شهرًا عاديًا بالنسبة للذهب، بل مثّل شهرًا صعبًا للمعدن الأصفر بعد موجة صعود قوية سبقت هذا الشهر، ليدخل الذهب في اختبار صعب أمام قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، والتغيرات في أسعار الفائدة التي أقرها الفيدرالي، بالتزامن مع استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.
ومع بداية الشهر، شهد الذهب تغيرات كبيرة؛ فبعدما اعتقد الجميع أنه سيواصل الصعود، لم تسر الأسعار على هذا النحو، بل بعد قرار الفيدرالي برفع سعر الفائدة، عاد المعدن الأصفر إلى التراجع على مدار شهر كامل، خسر خلاله قرابة 500 جنيه في السوق المصرية.
وفي هذا السياق، نشرت منصة آي صاغة تقريرًا فنيًا، أوضحت فيه أن أونصة الذهب تراجعت من 4449.61 دولارًا بنهاية أغسطس إلى 4182.96 دولارًا بنهاية سبتمبر، بخسارة بلغت 268.65 دولارًا، تعادل 6.04%.
انخفاض سعر جرام الذهب في مصر
وفي السوق المصرية، انخفض سعر جرام الذهب عيار 21 من 6325 جنيهًا إلى 6188 جنيهًا، بخسارة بلغت 137 جنيهًا، تعادل 2.75%.
لكن الرقم الأكثر أهمية ظهر في سوق الصرف؛ إذ ارتفع الدولار من 50.87 جنيه بنهاية أغسطس إلى 52.17 جنيه بنهاية سبتمبر، بزيادة بلغت 1.30 جنيه، أو 2.55%.
وهنا تكمن المفارقة التي تفسر جانبًا مهمًا من حركة الذهب في مصر: الأونصة خسرت أكثر من ضعف نسبة خسارة عيار 21 تقريبًا، بينما ارتفع الدولار أمام الجنيه.
6.04% عالميًا مقابل 3.08% في مصر
تقول آي صاغة إن التراجع العالمي خلال سبتمبر جاء في ظل مجموعة من العوامل، على رأسها ارتفاع الدولار الأمريكي، وصعود عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وتغير توقعات الأسواق بشأن مسار السياسة النقدية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالتضخم والتوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة.
لكن السوق المصرية لم تنقل هذا التراجع بالحجم نفسه.
ووفقًا للمنصة، ساهم ارتفاع الدولار أمام الجنيه في الحد من انتقال الخسائر العالمية إلى السوق المحلية بالنسبة نفسها، وهو ما يفسر الفارق بين انخفاض الأونصة بنسبة 6.04%، وتراجع عيار 21 بنسبة 3.08% فقط.
وتظهر هذه العلاقة بصورة أوضح في الأيام الأخيرة من الشهر؛ ففي 29 سبتمبر، استقر عيار 21 عند 6110 جنيهات رغم ارتفاع الأونصة العالمية بأكثر من 30 دولارًا خلال جلسة واحدة، لتصل إلى نحو 4152 دولارًا.
وفي سياق متصل، قال سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة، إن استقرار السعر المحلي رغم ارتفاع الأونصة يوضح أن حركة الذهب في مصر لا تعتمد على اتجاه الأونصة وحده، وإنما تتأثر أيضًا بسعر صرف الدولار والفجوة بين السعر المحلي والسعر المحسوب وفق الأسعار العالمية.
28 سبتمبر.. الذهب يخسر 135 جنيهًا في يوم واحد
وأوضح إمبابي في تصريحات صحفية أن السوق المصرية شهدت، قبل نهاية الشهر، واحدة من أكثر جلسات سبتمبر حدة؛ ففي 28 سبتمبر، تراجع سعر جرام الذهب عيار 21 بنحو 135 جنيهًا، بنسبة 2.17% خلال التعاملات، وفق بيانات منشورة عن السوق المحلية، مؤكدًا أن ذلك جاء في وقت تعرضت فيه الأسواق العالمية لضغوط مرتبطة بقوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأمريكية وتغير توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية.
وأشار إلى أن الذهب لم يستمر في الاتجاه نفسه بصورة مستقيمة، ففي اليوم التالي، 29 سبتمبر، استقر عيار 21 عند 6110 جنيهات، رغم ارتفاع الأونصة العالمية بنحو 30.80 دولارًا، موضحًا أن الأونصة ارتفعت من 4115.39 دولارًا إلى 4146.19 دولارًا خلال تلك الفترة، بزيادة بلغت نحو 0.75%، بينما لم يتحرك الذهب المحلي.
وهنا عاد إمبابي ليشير إلى أن الفجوة السعرية بين الذهب المحلي والسعر المرجعي العالمي أصبحت عنصرًا مهمًا في قراءة السوق، موضحًا أن الفجوة تراجعت من 1.03% إلى 0.23% خلال تلك الفترة.

الفيدرالي يرفع الفائدة 25 نقطة أساس
وعن الفيدرالي، اتجهت قراراته إلى إحداث تغيرات كبيرة في السوق العالمي والمحلي، إذ قررت لجنة السوق المفتوحة رفع نطاق سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، ليصل إلى 3.75%–4%.
وقال الفيدرالي في بيانه إن النشاط الاقتصادي الأمريكي يتوسع بوتيرة قوية، وإن التضخم لا يزال مرتفعًا، وإن القرار يستهدف دعم عودة التضخم إلى مستهدف البنك البالغ 2%. كما أشار إلى استمرار حالة عدم اليقين، ومن بينها التطورات الجيوسياسية.

إمبابي: الذهب تحت تأثير 4 ضغوط رئيسية
وقال سعيد إمبابي إن الذهب تعرض خلال سبتمبر لضغوط نتيجة ارتفاع الدولار الأمريكي، وصعود عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وتغير توقعات السياسة النقدية، إلى جانب التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة.
وأضاف أن ارتفاع النفط يضع الذهب أمام تأثيرين متعارضين؛ فمن ناحية، يمكن أن تزيد التوترات الجيوسياسية ومخاوف التضخم من جاذبية المعدن النفيس، ومن ناحية أخرى، قد تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى استمرار التشدد النقدي وارتفاع عوائد السندات، بما يحد من مكاسب الذهب.
وأوضح إمبابي أن المؤشر المهم خلال الفترة المقبلة هو مدى استمرار الضغوط على عوائد السندات الأمريكية، وما إذا كان تعافي الأونصة سيستمر أم يظل تحركًا محدودًا في ظل توقعات أسعار الفائدة.

لماذا يمكن أن يرتفع الذهب رغم قوة الدولار؟
في 29 سبتمبر، ارتفعت الأونصة بأكثر من 30 دولارًا، بينما ظل عيار 21 في مصر عند 6110 جنيهات، وفي هذه الجلسة تحديدًا، قالت آي صاغة إن السوق كانت أمام توازن بين دعم التوترات الجيوسياسية ومخاوف التضخم من جهة، وضغوط ارتفاع عوائد السندات وتوقعات استمرار التشديد النقدي من جهة أخرى.
ماذا حدث لطلب المصريين على الذهب؟
وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي التي أوردتها آي صاغة، تراجعت مشتريات المصريين من المشغولات الذهبية بنسبة 14% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، لتصل إلى نحو 4.9 طن.
وفي المقابل، ارتفعت مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 6% إلى نحو 6.2 طن.
وهذه البيانات تخص الربع الثاني، وبالتالي لا تمثل حركة الشراء خلال سبتمبر مباشرة، لكن آي صاغة استخدمتها لرصد تحول واضح في هيكل الطلب المصري بين المشغولات من ناحية، والسبائك والعملات من ناحية أخرى.
البنك المركزي المصري يدخل على خط الذهب
وفي مصر، جاء قرار لجنة السياسة النقدية في 24 سبتمبر مختلفًا عن قرار الفيدرالي؛ إذ قرر البنك المركزي المصري الإبقاء على سعر عائد الإيداع عند 19% والإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%.
وقال البنك المركزي إن معدل التضخم العام تراجع إلى 14.5% في أغسطس 2026، بينما سجل التضخم الأساسي 14.9%.
وفي الوقت نفسه، أشار البنك إلى أن المخاطر المحيطة بالتضخم لا تزال تميل إلى الاتجاه الصعودي، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية وارتفاع الأسعار العالمية للغذاء والطاقة إذا استمرت لفترة ممتدة.
وبذلك، دخلت السوق المصرية أكتوبر بمستوى فائدة مرتفع نسبيًا، في الوقت الذي كان فيه الفيدرالي الأمريكي قد رفع الفائدة إلى نطاق 3.75%–4%.