سوق يقترب من التشبع الرقمي.. كيف تغيّرت قواعد التسويق في السعودية؟
لم يعد السؤال المطروح على الشركات العاملة في السوق السعودي هو كيفية الوصول إلى الجمهور عبر الإنترنت، بل كيفية التميّز وسط جمهور متصل بالكامل تقريبًا. فقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في المملكة نحو 34.4 مليون مستخدم في أكتوبر 2025، بنسبة انتشار تقارب 99% من إجمالي السكان، وفق تقرير «Digital 2026» الصادر عن منصة DataReportal المتخصصة في رصد المؤشرات الرقمية حول العالم.
ومع هذا المستوى من الانتشار، انتقل ثقل الإنفاق التسويقي من الوسائل التقليدية إلى القنوات الرقمية خلال سنوات قليلة. وتغيّرت معه المعايير التي تُقاس بها نتائج الحملات، فلم تعد تقارير المشاهدات والإعجابات كافية لإقناع إدارة مالية تسأل عن عدد العملاء المحتملين وتكلفة الواحد منهم.
سوق يقترب من التشبع الرقمي
تشير بيانات التقرير ذاته إلى وجود نحو 38.6 مليون هوية نشطة على منصات التواصل الاجتماعي في المملكة، أي ما يعادل 111% من إجمالي عدد السكان. والرقم هنا لا يعني أن المستخدمين يفوقون السكان عددًا، وإنما أن المستخدم الواحد يملك أكثر من حساب على أكثر من منصة، وهو تفصيل يغفله كثير من المعلنين حين يقدّرون حجم الجمهور الذي يمكنهم الوصول إليه فعليًا.
ويكتمل المشهد بعدد اشتراكات الجوال الذي بلغ 48.7 مليون اشتراك بنهاية 2025، بما يقارب 140% من عدد السكان. ومعنى ذلك عمليًا أن أي حملة تسويقية في السعودية هي حملة على الهاتف المحمول في المقام الأول، وأن سرعة الموقع أو المتجر الإلكتروني وسهولة استخدامه على شاشة صغيرة ليست مسألة تقنية ثانوية، بل عامل حاسم في معدل التحويل وفي تكلفة كل عملية بيع.
خريطة المنصات لا تشبه بقية المنطقة
الخطأ الأكثر تكرارًا بين الشركات التي تدخل السوق السعودي حديثًا هو نقل الخطة الإعلانية التي نجحت في سوق عربي آخر كما هي. فترتيب المنصات في المملكة له خصوصيته؛ إذ تشير بيانات نهاية 2025 إلى أن يوتيوب يصل إلى نحو 27.5 مليون مستخدم، وسناب شات إلى نحو 25.3 مليون، بينما يأتي إنستجرام عند 18.2 مليون تقريبًا.
وهذا الترتيب تحديدًا هو ما يميز السوق السعودي، فحضور سناب شات فيه أقوى بكثير من معظم أسواق المنطقة، في حين لا يحتل إنستجرام الموقع الأول الذي اعتادت عليه كثير من العلامات التجارية في أسواق أخرى. أما الفيديو القصير فقد أصبح الصيغة الافتراضية للمحتوى الإعلاني لدى الجمهور الأصغر سنًا، بما يفرض على المعلن إنتاج نسخ متعددة من الإعلان الواحد بمقاسات ومدد مختلفة بدلًا من الاكتفاء بتصميم ثابت.
ولا تقتصر الخريطة على منصات التواصل وحدها، فجزء معتبر من الطلب في السوق السعودي يبدأ من محرك البحث، حيث يكتب المستخدم حاجته بصيغتها المحلية ويقارن بين الخيارات قبل أن يتواصل مع أي جهة. وهذه المرحلة تحديدًا هي التي تهملها الحملات التي تعتمد على الإعلانات المدفوعة وحدها، فتدفع ثمن كل زيارة بدلًا من أن تبني رصيدًا من الظهور المجاني يتراكم مع الوقت.
الرياض وجدة.. سوقان داخل سوق واحد
تتعامل كثير من الخطط التسويقية مع المملكة باعتبارها سوقًا واحدًا متجانسًا، وهو تبسيط مكلف. فالرياض تتركز فيها المقار الرئيسية للشركات والجهات الحكومية، وهو ما يجعل جانبًا كبيرًا من النشاط التسويقي فيها موجهًا إلى قطاع الأعمال لا إلى المستهلك النهائي.
ولهذا فإن ما تحتاجه مؤسسة ناشئة حين تبحث عن شركة تسويق في الرياض يختلف عما تحتاجه علامة تجزئة تبيع للمستهلك مباشرة؛ فدورة الشراء أطول، والقرار يمر على أكثر من مسؤول، والمحتوى يميل إلى الإقناع المهني والبيانات أكثر من ميله إلى الإبهار البصري. ومعدل التحويل في هذه الحالة يُحسب على مدى أشهر لا على مدى أيام.
الموسمية تحكم نصف الخطة
التقويم عنصر أساسي في التسويق داخل المملكة، فرمضان وحده يعيد ترتيب سلوك الاستهلاك ومواعيد الذروة في التصفح والشراء، ويليه موسم العودة إلى المدارس ثم اليوم الوطني وما يصاحبه من عروض. والشركات التي تبني خطتها الإعلانية شهرًا بشهر تجد نفسها غالبًا متأخرة عن هذه المواسم بدلًا من أن تسبقها.
أما في جدة فتتقاطع هذه الموسمية مع طبيعة المدينة كميناء ومركز تجاري وبوابة لقاصدي الحج والعمرة، فيرتفع الطلب على الفنادق والمطاعم وخدمات الضيافة والتجزئة في مواعيد يمكن التنبؤ بها قبل أشهر. ولذلك فإن أول ما تطلبه هذه القطاعات من شركة تسويق الكتروني في جدة هو جدول حملات مبني على هذا التقويم، لا خطة محتوى ثابتة تتكرر طوال العام بالوتيرة نفسها.
من المشاهدات إلى العملاء المحتملين
أبرز ما تغيّر في السنوات الأخيرة هو انتقال النقاش من مؤشرات الظهور إلى مؤشرات الأثر. فبدلًا من عدد المشاهدات ونسب التفاعل، أصبح الحديث يدور حول تكلفة العميل المحتمل والعائد على الإنفاق الإعلاني، وهي مؤشرات لا يمكن قياسها أصلًا من دون ربط صحيح بين الإعلان والموقع أو المتجر أو قناة التواصل التي يصل إليها العميل.
وهذا الربط التقني هو ما يفصل بين حملة يمكن تحسينها وحملة تُدار بالتخمين. فحين لا يعرف المعلن من أي إعلان جاء كل عميل، تتحول قرارات زيادة الميزانية أو خفضها إلى اجتهاد شخصي. وقد خصصت الهيئة العامة للإحصاء بابًا مستقلًا لإحصاءات الاقتصاد الرقمي في المملكة، وهي مرجع مفيد لمن يريد بناء تقديراته على بيانات رسمية بدلًا من انطباعات السوق.
أسئلة تسبق التعاقد
تبقى مسألة اللغة من أكثر النقاط التي تُحسم بها نتيجة الحملة دون أن تظهر في أي تقرير. فالمحتوى المترجم حرفيًا أو المنقول عن سوق آخر يصل إلى الجمهور السعودي باردًا، بينما المحتوى المكتوب بمفردات يستخدمها الناس فعلًا في حديثهم اليومي يحقق فارقًا ملموسًا في معدل التفاعل والاستجابة. وهذا الفارق لا يُشترى بزيادة الميزانية، وإنما بفهم السوق ممن يعمل داخله.
في سوق يضم عددًا كبيرًا من مقدمي الخدمات التسويقية، تظل المعايير العملية هي الفيصل. فالأعمال السابقة التي يمكن مراجعتها فعليًا أهم من قائمة الخدمات المعروضة، والتقارير التي تذكر تكلفة العميل المحتمل أهم من التقارير التي تكتفي بأرقام الوصول والتفاعل.
كما أن الفصل بين أتعاب الجهة المنفذة وميزانية الإعلانات المدفوعة للمنصات نفسها بند يستحق التوضيح في العقد قبل التوقيع، لأن الخلط بينهما يجعل حساب العائد مستحيلًا لاحقًا. أما الوعود بنتائج مضمونة خلال أيام أو بمركز أول دائم في نتائج البحث فهي في الغالب مؤشر على ضعف الخبرة لا على قوتها، إذ تحتاج نتائج تحسين محركات البحث وبناء الحضور الرقمي عادةً إلى عدة أشهر حتى تستقر.
وفي النهاية، فإن سوقًا يقترب من التشبع الرقمي لا يكافئ من ينفق أكثر، بل من يفهم تفاصيله الصغيرة: أي منصة يستخدمها جمهوره فعلًا، وفي أي موسم يشتري، وبأي لغة يتحدث، وكم يكلّفه العميل الواحد في نهاية الشهر.