«الإجراءات الجنائية».. لماذا تأجل القانون في آخر لحظة؟ وماذا ينتظر المواطن حتى أكتوبر 2027؟
لم يعد قانون الإجراءات الجنائية الجديد أمام موعد أول من أكتوبر 2026؛ فمجلس النواب حسم، في جلسته غير العادية يوم 30 سبتمبر، تأجيل بدء العمل بالقانون رقم 174 لسنة 2025 لمدة عام، ليبدأ تطبيقه في الأول من أكتوبر 2027، وجاء القرار رسمياً لإتاحة الوقت لاستكمال المتطلبات التنظيمية والمؤسسية والتقنية والبشرية، إلى جانب اختبار النظم الإلكترونية وقواعد البيانات ووسائل الربط وتأهيل القائمين على تنفيذ القانون.
لكن تأجيل التطبيق لم ينهِ الجدل، بل نقل المعركة إلى سؤال جديد: هل كان التأجيل ضرورة لضمان تطبيق القانون بصورة سليمة، أم أنه نتيجة تأخر في استكمال الاستعدادات؟
داوود: «كان أمام الحكومة وقت كافٍ

النائب محمد عبدالعليم داوود، عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، يقف في الجانب الرافض للتأجيل، وفي حديث خاص لـ«بلدنا اليوم»، أكد أن موقفه امتداد لاعتراض سابق على القانون، مشيراً إلى أنه تقدم خلال مناقشته بأكثر من 120 تعديلاً.
ويرى داوود أن عدم اكتمال التجهيزات لا يصلح، من وجهة نظره، مبرراً لتأجيل التطبيق عاماً كاملاً، خاصة أن القانون استغرق سنوات في المناقشة والإعداد.
ويضع النائب المسؤولية أمام الحكومة بصورة مباشرة: إذا كانت الدولة تعلم منذ صدور القانون أن تطبيقه يحتاج إلى بنية تكنولوجية وتجهيزات وتدريب، فلماذا لم تستكمل تلك المتطلبات قبل الوصول إلى موعد النفاذ؟
كما أثار داوود مخاوف مرتبطة بالحقوق التي يتضمنها القانون، وبالأخص ما يتصل بالحبس الاحتياطي، معتبراً أن تأجيل بدء التطبيق يثير تساؤلات حول توقيت استفادة المحبوسين من بعض الضمانات الجديدة.
وفي المقابل، أوضح رئيس اللجنة التشريعية، المستشار محمد عيد محجوب، خلال مناقشات التأجيل أن الإرجاء لا يمس الأحكام الموضوعية الأصلح للمتهمين، وهو ما يضع المسألة أمام تمييز قانوني بين طبيعة النصوص وقواعد سريانها.
رشاد: «كيف نطبق قانوناً والمنظومة غير جاهزة؟»

على الجانب الآخر، يؤيد النائب محمود رشاد حبيب، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، قرار التأجيل.
وفي حديثه لـ«بلدنا اليوم»، أوضح أن جوهر موقفه يتمثل في أن تطبيق القانون قبل اكتمال المنظومة قد يؤدي إلى تفاوت في التنفيذ أو مشكلات تقنية، متسائلاً: كيف يبدأ العمل بالقانون في محكمة أو اثنتين بينما لا تكون باقي المحاكم جاهزة؟
وأشار إلى احتمال حدوث أعطال في الأنظمة الإلكترونية، مؤكداً أن منح الدولة وقتاً إضافياً للاستعداد أفضل، من وجهة نظره، من بدء التطبيق ثم مواجهة مشكلات يصعب علاجها أثناء التنفيذ.
أما عن مدة العام، فيرى رشاد أن ارتباط الموعد بالسنة القضائية يجعل أكتوبر 2027 توقيتاً عملياً، لافتاً إلى أن بعض النواب طرحوا حتى مدة عامين لضمان عدم العودة إلى التأجيل مرة أخرى.
وفي المقابل، كان موقف الحكومة أن العام الواحد كافٍ لاستكمال الاختبارات والتجهيزات، مع التأكيد على أن التأجيل لا يمثل تعطيلاً للقانون وإنما فرصة للتأكد من جاهزية المنظومة بالكامل.
اللواء أشرف عبدالعزيز: «عام اختبار وليس انتظاراً

ومن الزاوية الأمنية، يرى اللواء أشرف عبدالعزيز، الخبير الأمني والاستراتيجي، أن السؤال الأهم لم يعد: لماذا تأجل القانون؟ وإنما: ماذا ستفعل الدولة خلال عام التأجيل؟
ويؤكد أن نجاح القانون لن يتوقف على النصوص وحدها، وإنما على قدرة الشرطة والنيابة والمحاكم وباقي الجهات المعنية على تحويل النص إلى إجراءات يومية واضحة.
ويطرح الخبير الأمني التدريب العملي والمحاكاة باعتبارهما من أهم الأولويات: ماذا يفعل مأمور الضبط القضائي في واقعة معينة؟ متى يحتاج إلى إذن؟ كيف يوثق الإجراء؟ وكيف يتعامل مع إجراء إلكتروني إذا حدث عطل مفاجئ؟
كما يلفت إلى ضرورة وجود تعليمات موحدة، حتى لا تختلف طريقة تطبيق الإجراء من محافظة إلى أخرى، إلى جانب اختبار الأنظمة الإلكترونية وقواعد البيانات ووسائل الربط قبل موعد التطبيق النهائي.
ويشدد عبدالعزيز على أن الاختبار الحقيقي يجب ألا يقتصر على المحاكم الكبرى أو المراكز الرئيسية، وإنما يمتد إلى مختلف المحافظات والمراكز والأقسام، لأن القانون سيطبق على مستوى الجمهورية.
وتتفق هذه الرؤية مع ما ورد في المذكرة البرلمانية بشأن الحاجة إلى إجراء اختبارات عملية للنظم والإجراءات المستحدثة ورصد المعوقات قبل بدء التطبيق.
عام واحد.. وثلاثة أسئلة
وبين موقف يرى أن التأجيل نتيجة عدم استعداد كان يمكن تفاديه، وموقف يعتبره ضرورة لتجنب تطبيق قانون جديد في ظل منظومة غير مكتملة، أصبحت أمام الدولة سنة كاملة لإثبات قدرة المنظومة على التنفيذ.
ويبقى الاختبار في ثلاثة ملفات رئيسية: الجاهزية التقنية، تدريب وتأهيل الكوادر، وتوحيد إجراءات التطبيق.
ففي الأول من أكتوبر 2027 لن يكون السؤال فقط: هل بدأ تطبيق قانون الإجراءات الجنائية؟
بل سيكون السؤال الأهم: هل أصبحت الدولة جاهزة فعلاً لتطبيقه؟
ويظل هذا هو التحدي الحقيقي الذي فرضه قرار التأجيل؛ فالتاريخ تغير، أما اختبار الجاهزية فقد بدأ بالفعل



