من رد الفعل إلى الاستباق.. كيف تعيد التموين رسم خريطة الأسواق لمواجهة الغلاء؟
في ظل ضغوط معيشية متزايدة، تتحرك وزارة التموين والتجارة الداخلية باستراتيجية جديدة تتجاوز منطق إدارة الأزمات اللحظية، نحو بناء منظومة أكثر استدامة واستقرارا، استراتيجية تضع نصب أعينها هدفا واحدا، وهو أن تصل السلعة للمواطن بسعر عادل، في منفذ قريب، وبوفرة تحمي السوق من أي هزات مفاجئة.
الأمن الغذائي أولا.. فلسفة جديدة لإدارة الأسواق
وتضع الوزارة، ملف الأمن الغذائي واستقرار الأسعار على رأس أولوياتها، باعتباره الملف الأكثر التصاقا، بحياة المواطن اليومية، حيث تسعى الوزارة، وفقا لرؤيتها المعلنة، للتحول من سياسة التدخل المؤقت عند وقوع الأزمة، إلى منظومة استباقية قادرة على التنبؤ بالضغوط قبل وقوعها والتعامل معها مبكرا.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، أن الوزارة تعمل على بناء منظومة رقابية متكاملة، لا تكتفي بالتواجد الميداني في الأسواق، بل تمزج بين العمل الميداني والأدوات الرقمية الحديثة وتحليل البيانات وتفعيل الرقابة المجتمعية، مشددا على أن التكنولوجيا ليست بديلا عن الرقابة الميدانية، بل هي أداة تزيد من كفاءتها وسرعتها في رصد أي تجاوزات أو ممارسات احتكارية، بالإضافة الى أن الوزارة تعمل على ترجمة مسار الإصلاح الاقتصادي إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المواطن في السوق.
معادلة من أربعة أركان.. كيف تفكر الوزارة؟
من جانبه، أوضح أحمد كمال، مساعد وزير التموين والمتحدث الرسمي باسم الوزارة، أن الرؤية الحالية تنطلق من معادلة واضحة ومحددة: توفير السلعة، وضمان انتظام وصولها، وبيعها بسعر مناسب، داخل منفذ قريب من سكن المواطن، مع الحفاظ في الوقت نفسه على كفاءة واستدامة سلاسل الإمداد والتوزيع.
وأضاف أن تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن يمثل محور التحرك الأساسي، وأن الوزارة انتهجت سياسة التدخل الاستباقي، فلا تنتظر حتى يقفز الطلب أو تشتعل الأسعار، وتبرز أهمية هذا النهج بشكل خاص في المواسم والأعياد والفترات التي يرتفع فيها الاستهلاك، حيث يتم ضخ كميات إضافية من السلع، والتوسع في إقامة المنافذ والمعارض والأسواق المؤقتة، وطرح المنتجات بأسعار مخفضة وتنافسية تمنح المستهلك حرية الاختيار.
مبادرة الستة أشهر.. رهان على الأثر المستدام
وأشار "كمال"، إلى أن مبادرة خفض أسعار السلع الأساسية، الممتدة لستة أشهر وتشمل شهر رمضان المبارك، تعد الأداة الأبرز للوزارة في هذه المرحلة، فالمبادرة تعكس تحولا في الفكر الحكومي من المبادرات قصيرة الأجل والموسمية إلى تدخلات طويلة المدى تترك أثرا مستداما على حركة السوق.
وتقوم فلسفة المبادرة على ثلاثة محاور متوازية: زيادة المعروض من السلع الأساسية بأسعار تقل عن مثيلاتها في السوق بالتعاون المباشر مع المنتجين والموردين والسلاسل التجارية الكبرى، وتقليص حلقات التداول بين المنتج والمستهلك، والتوسع الكمي والجغرافي في عدد المنافذ المشاركة، وتراهن الوزارة على أن وفرة المعروض وتعدد منافذ البيع هما الضمانة الحقيقية لخلق منافسة سعرية حقيقية.
القطاع الخاص شريك.. وليس منافسا
وحول دور القطاع الخاص، أكد مساعد الوزير أن مشاركته في مبادرات خفض الأسعار تحظى بأهمية استثنائية، انطلاقا من قناعة راسخة بأن استقرار الأسواق مسؤولية تشاركية لا تتحملها الحكومة وحدها، فكلما زاد عدد المنافذ الخاصة المشاركة واتسع انتشارها الجغرافي، توفرت بدائل أكثر أمام المستهلك، واشتدت المنافسة بين قنوات البيع، وهو ما ينعكس إيجابا على الأسعار وجودة الخدمة، وتستهدف الوزارة من هذه الشراكة ألا تبقى المبادرات حبيسة القاهرة والمدن الكبرى، بل تصل إلى القرى والنجوع والمناطق الأكثر احتياجا.
"جمعيتي" و"كاري أون".. تطوير المنافذ من الداخل
وفيما يتعلق بتطوير المنافذ، أوضح أحمد كمال، أن الوزارة تنفذ خطة شاملة لرفع كفاءة منظومة التوزيع وتحسين جودة الخدمة، ويأتي برنامج "كاري أون" كأحد النماذج المبتكرة لتحديث تجارة التجزئة، عبر الاستفادة من الانتشار الواسع الذي تتمتع به المنافذ التموينية ومشروع "جمعيتي" الذي يضم آلاف المنافذ الشبابية في مختلف المحافظات.
واختتم المتحدث الرسمي، بالتأكيد على أن رؤية الوزارة ترتكز على ثلاثة محاور متكاملة: تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية، وتنويع مصادر الإتاحة وقنوات التوزيع عبر التوسع في المعارض والمبادرات، والاستفادة القصوى من التحول الرقمي وقواعد البيانات في تتبع حركة السلع والأسعار، بما يضمن اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة ترفع من كفاءة منظومة التجارة الداخلية برمتها.