الإعلامية هنا عبد الفتاح تكتب: السويس.. المدينة التي لم تنكسر
في السادس من أكتوبر 1973، عبر الجيش المصري قناة السويس وحطم أسطورة الجيش الذي لا يُقهَر. لكن بعد ثمانية عشر يوماً، وتحديداً في 24 أكتوبر، كتبت مدينة صغيرة على خليج السويس ملحمة أخرى، لا تقل عظمة عن العبور نفسه.
كانت السويس مدينة أشباح. منذ 1967 وهي تُقصف يومياً. احترقت مصافي البترول في الزيتية، وتهدمت 80% من بيوتها، وهُجِّر 260 ألفاً من أهلها. لم يبقَ فيها سوى خمسة آلاف رجل وامرأة قرروا ألا يتركوا بيوتهم. عمال في الميناء، وصيادون، ونجارون، وطلبة مدارس، مع كتيبة صاعقة واحدة وقوات شرطة بقيادة العقيد فؤاد إسكندر.
ظنت إسرائيل أن المدينة لقمة سائغة. في صباح 24 أكتوبر، دخل لواء مدرع كامل، 200 دبابة ومجنزرة، لاحتلال السويس في ساعتين وإعلانها ورقة تفاوض.
كان ينتظرهم الشيخ حافظ سلامة في مسجد الشهداء. لم يكن شيخاً عادياً، كان قائد المقاومة الشعبية. جمع الناس وصاح: "اليوم جهاد، فرض عين على كل واحد".
وما حدث بعدها كان معجزة.
لم تكن حرب دبابات، كانت حرب حواري. شوارع الأربعين والسويس ضيقة لا تعرفها الدبابة. ومن كل نافذة، من كل سطح، انطلقت النيران.
*إبراهيم يوسف سليمان*، النجار البسيط، كان أول من واجههم. حمل قاذف R.P.G وضرب الدبابة الأولى عند قسم الأربعين، فاشتعلت وأغلقت الشارع كله. سمّاه الناس بعدها "أبو دبابة".
*أشرف شاكر*، الصياد، دمر دبابتين وحده في شارع الجيش.
*الأخوين محمود وأحمد عواد*، كانا يركضان بين البيوت، يضربان ويختفيان كالأشباح.
*عبد المنعم قناوي وعلي سنجر ومحمد سرحان*، عمال وصيادون، صنعوا كمائن في حواري العرب، حتى صار كل بيت قلعة.
ولم يكن الرجال وحدهم. كانت نساء السويس يغلين الماء والزيت ويلقين به من الشرفات، ويصنعن قنابل المولوتوف في المطابخ، والأطفال ينقلون الذخيرة على الدراجات.
يقول قائد الكتيبة الإسرائيلية ناحوم زاكن في مذكراته "السويس ليست ستالينجراد": "دخلنا مدينة ظنناها فارغة، فوجدنا أشباحاً تضربنا من كل شباك. كانت السويس مقبرة".
في ثماني ساعات فقط، خسر العدو 21 دبابة من أصل 24 دخلت المدينة، و80 إلى 100 قتيل، و138 جريحاً، وهرب الباقون تاركين دباباتهم مشتعلة.
أما نحن، فقد قدمنا في ذلك اليوم حوالي 80 شهيداً من خيرة أبناء السويس. ليسوا جنوداً نظاميين، بل شهداء المقاومة الشعبية. نجارون وصيادون وطلبة، كتبوا بدمائهم أن هذه الأرض لا تُباع.
ثم جاء الحصار. مائة يوم كاملة من 24 أكتوبر 1973 إلى 28 يناير 1974. قطعت إسرائيل الماء والغذاء والدواء عن الجيش الثالث والمدينة معاً. شرب الناس من ماء المطر المتجمع على الصخور، وأكلوا الخبز اليابس، ولم يرفعوا راية بيضاء واحدة.
لهذا لم تكن السويس مجرد مدينة صمدت. كانت هي الدليل الحي أن الانتصار ليس دبابة وطائرة، بل قلب رجل قرر ألا يترك بيته.
سلامٌ على السويس، المدينة الباسلة.
سلامٌ على شهدائها الذين نحفظ أسماءهم في قلوبنا.
وسلامٌ على يوم 24 أكتوبر، العيد القومي الذي يذكرنا أن مصر لا تموت أبداً.