من الدعم إلى العمل والإنتاج.. تجربة أوروجواي تفتح آفاقًا لتطوير منظومة الحماية الاجتماعية في مصر
لم تعد الحماية الاجتماعية تقتصر على تقديم الدعم، بل أصبحت تمتد لتشمل مختلف مراحل حياة المواطن، وهو ما دفع وفدًا من وزارة التضامن الاجتماعي إلى زيارة جمهورية أوروجواي للتعرف على تجربتها في تطوير منظومة الحماية والتأمينات الاجتماعية والتحول الرقمي، والتي تمتد من سنوات العمل والإنتاج، مرورًا بالمرض والبطالة والأمومة والأبوة ورعاية الأطفال، وصولًا إلى الشيخوخة والعجز والوفاة، وتجمع بين الحماية التأمينية وغير التأمينية.
تجربة أوروجواي تقدم نموذجًا لربط الحماية الاجتماعية بالتمكين الاقتصادي
وفي هذا السياق، قال رأفت شفيق مساعد وزيرة التضامن الاجتماعي، إن تجربة أوروجواي تقدم نموذجًا لربط الحماية الاجتماعية بالتمكين الاقتصادي والعمل، مع تعزيز استدامة منظومة الحماية ومراعاة احتياجات مختلف الفئات عند تصميم وإدارة نظم التأمينات الاجتماعية.
وأكد مساعد وزيرة التضامن الاجتماعي، أن التحول الرقمي مهمًا، خاصة في توظيف التكنولوجيا لربط قواعد البيانات، والاستفادة من الهوية الرقمية، وتعزيز التكامل بين المؤسسات الحكومية، بما يسهم في تطوير آليات تقديم الخدمات للمواطنين بسرعة وكفاءة.

وأضاف شفيق، أن تجربة أوروجواي تستحق الدراسة، نظرًا لعدم اقتصارها على تقديم معاش أو منفعة نقدية، بل يشمل مختلف مراحل حياة المواطن واحتياجاته الاجتماعية والتأمينية، لافتًا إلى أن الوزارة تحرص دائمًا على الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة.
كما أوضح الدكتور محمد عبدالهادي، الخبير الاقتصادي لـ بلدنا اليوم، أن تطوير منظومة الحماية الاجتماعية والتحول الرقمي يساهم في توجيه الدعم، مشيرًا إلى أن التحول الرقمي الذي اتجهت إليه الدولة المصرية يساعد في حصر من يستوجب دعمه بكافة الطرق، والوصول إلى المستحقين من خلال حصر الأفراد المستحقين لصرف الدعم.
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن الدولة خلال الفترة السابقة اعتمدت على التكنولوجيا والتي من خلالها تستطيع تحديد الأفراد بدقة وبكفاءة، وحصر كافة الأفراد الذين يستوجب لهم الدعم، واستبعاد الأطراف الأخرى التي تمتلك أصولًا، مثل عقار في كومباوند أو سيارة أو أي وسيلة أخرى، بما يمكن الدولة من تحديد الأفراد الذين يمتلكون تلك الأصول.

واستكمل عبدالهادي حديثه، أن تجربة أوروجواي في تطوير منظومة الحماية الاجتماعية تعد من التجارب التي يستفيد بها العالم أجمع، وليس مصر فقط، حيث تتبنى 3 محاور، أولها عمل منظومة خاصة لكل أفراد الشعب وربط كافة المصالح الحكومية والمؤسسات لتحديد الأفراد المستحقين لعملية الدعم، من خلال منصة متكاملة تم إنشاؤها من قبل الدولة.
ولفت إلى أن المحور الثاني يتمثل في عملية دخول غير المستفيدين التي لا تستطيع الدولة حصرهم، مثل الاقتصاد غير الرسمي على سبيل المثال، وتحديد هؤلاء الأفراد ومدى استحقاقهم لمنظومة التكافل والتأمين، معقبًا: المحور الثالث يتمثل في عملية عمل الأفراد في جميع المراحل الحياتية.
وتابع عبدالهادي، أن من أكبر التحديات التي تواجه تنفيذ تجربة أخرى تمت في إحدى الدول، هي نوعية الأفراد أو المواطنين ومدى استيعابهم لتلك التجارب، وبالتالي لابد أن تقوم الدولة بزيادة ثقافة المواطن قبل التنفيذ، بالإضافة إلى أن الدولة المصرية حتى الآن لا تستطيع حصر الاقتصاد غير الرسمي وتحديده، وتحديد من هم الذين سوف يقومون بالاستفادة من تلك التجارب أو المميزات، ومن التحديات أيضًا البنية التحتية التي تقوم عليها الدولة لإنشاء منصة متكاملة تربط بين جميع المؤسسات الخاصة بالدولة.
ومن جانبه، يرى الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، أن تطوير منظومة الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تدخلًا اقتصاديًا فقط، بل باعتباره تدخلًا نفسيًا واجتماعيًا أيضًا، موضحًا أن الأمن المادي للأسرة يرتبط بدرجة كبيرة بالأمن النفسي والاستقرار الأسري والقدرة على التخطيط للمستقبل.
وقال حجازي لـ بلدنا اليوم، إن ضمان حد أدنى من الدخل أو الخدمات الأساسية يسهم في خفض الضغوط النفسية المرتبطة بالفقر وعدم الاستقرار، ويعزز شعور الأسرة بالأمان، كما أن تقليل الضغوط الاقتصادية قد يخفف بعض مصادر التوتر والصراع داخل الأسرة ويدعم الصحة النفسية للأطفال.

وأشار إلى أن الحماية الاجتماعية الحديثة لا تقتصر على مواجهة الاحتياج الحالي، وإنما تساعد الأسرة على الاستثمار في التعليم والصحة وتنمية المهارات والعمل، بما ينقلها تدريجيًا من منطق البقاء ومواجهة الأزمة إلى التخطيط والتنمية.
وأضاف أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، أن تصميم البرامج باعتبار المستفيد مواطنًا له حقوق وليس مجرد متلقٍ للإعانة، إلى جانب تبسيط إجراءات الحصول على الخدمات واحترام الخصوصية وتقليل الوصمة المرتبطة بالحصول على الدعم، يعزز الإحساس بالكرامة والاندماج الاجتماعي.
وحول الاستفادة من تجربة أوروجواي، أكد على الاستفادة من المبادئ والآليات القابلة للتكييف وليس نقل التجربة كما هي، مشيرًا إلى أن الأهم بالنسبة للجانب النفسي والاجتماعي هو الانتقال من مفهوم إعطاء الأسرة مبلغًا ماليًا إلى مفهوم أوسع، وهو تمكين الأسرة من مواجهة المخاطر والحفاظ على قدرتها على النمو والاستقلال.




