وائل السادات يكتب.. ضربة معلم.. كيف كتب السيسي تاريخ مصر الحديث ورسم حدود الأمن القومي للجمهورية الجديدة؟
في العلوم السياسية والاستراتيجيات العسكرية، تُقاس هيبة الدولة بعنصرين لا ثالث لهما: استقرار الجبهة الداخلية القائم على دولة المؤسسات، وصلابة الموقف الخارجي القادر على حماية العمق القومي وسحق أدوات الابتزاز الإقليمي.
وما شهدته مصر خلال الساعات الأخيرة لم يكن مجرد مواقف سياسية عابرة، بل كان «ضربة معلم» استراتيجية متعددة الأبعاد، أعاد فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي رسم خريطة المستقبل المصري والعربي، ووضع بها نقطة ومنهجًا جديدًا يُسجَّل بحروف من نور في تاريخ مصر الحديث.
أولًا: الخروج من الباب الكبير.. تأسيس تقاليد دستورية ومعايير جديدة لقيادة مصر
في خطوة تاريخية حاسمة، أعلن الرئيس التزامه الصارم بنهاية مدته الرئاسية مع حلول عام 2030، وفقًا للدستور، رافضًا بوضوح أي أحاديث عن التعديل أو التمديد.
هذا الموقف لم يكن مجرد التزام بنص دستوري، بل أرسى ثورة مفهومية في تقاليد الحكم المعتادة في المنطقة:
\- العبور من «شرعية الشخص» إلى «شرعية المؤسسة»: تاريخيًا، عرفت مصر والمنطقة مغادرة القادة للكرسي إما بالوفاة، أو بالثورات، أو بالاستقالات الإجبارية. ولأول مرة، يقدم الرئيس نموذجًا حيًا لرئيس يُغادر بقوة الدستور، وفي يده إرث تنموي هائل وبنية تحتية غيَّرت وجه الدولة.
\- وضع المعيار الأسمى لرئيس الجمهورية القادم: هذه الخطوة وضعت «كتالوجًا» محترمًا وصارمًا لمن يخلفه في مقعد السلطة؛ فالمعيار لن يكون مجرد شعارات، بل «رئيس بحجم دولة»؛ يُحكم بالنتائج والالتزام الزمني، ويدير البلاد بالبناء والعمل القومي المؤسسي، لتصبح تداولية السلطة قاعدة أصيلة وليست استثناءً.
\- تسليم الأمانة في ذروة الإنجاز: اختيار عام 2030 بالذات، وهو العام المحدد لاكتمال «رؤية مصر التنمية الشاملة»، يعني أن الرئيس يسلم الراية وقد اكتملت أركان البنية التحتية الصلبة التي تتيح للجمهورية الجديدة الانطلاق نحو المستقبل من أرضية ثابتة ومحمية.
ثانيًا: إجهاض «المظلة الإسرائيلية».. وقطع طريق الابتزاز الاستراتيجي
طب
بالتزامن مع تنظيم البيت الداخلي وإرساء قواعده، كان الإقليم يمر بمرحلة إعادة تشكيل خطيرة؛ حيث خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متحدثًا عن «إلحاح إسرائيلي للتدخل لحماية السعودية»، بوصف ذلك خيارًا مطروحًا لمواجهة المهددات الإقليمية.
وكان المخطط واضحًا: إدخال إسرائيل كـ«حارس أمني بالوكالة» في شبه الجزيرة العربية، ومساومة دول الخليج تحت مظلة «الحماية البديلة».
وهنا جاء الرد المصري الصارم والمباشر ليعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي:
«مصر مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه المملكة العربية السعودية للدفاع عن أمنها وسيادتها.. أمن السعودية والخليج خط أحمر للسيادة المصرية».
وبهذه الضربة الاستراتيجية:
\- نُسفت رواية «المنقذ الإسرائيلي»: أعلنت القاهرة أن أرض الحرمين الشريفين والعمق الخليجي يحميها السلاح العربي والجيش المصري والتنسيق العسكري المباشر، ولا حاجة لمظلات عبرية أو صفقات ابتزاز إقليمية.
\- إعادة رسم خطوط الأمن القومي العربي: التأكيد المباشر على أن العلاقات المصرية-السعودية هي صمام أمان المنطقة، وأن حماية الخليج واجب مؤسسي استراتيجي للجيش المصري، لا تخضع لمناورات الانتخابات الأمريكية أو الرغبات التوسعية لتل أبيب.
ثالثًا: معادلة «الجمهورية القادمة».. حكمة الداخل وصلابة الخارج
لقد جمعت هذه «الضربة» بين ذكاء التوقيت وعمق الرؤية:
\- قطع الطريق على المشككين في الداخل: حسم الجدل الرئاسي مبكرًا يقطع الطريق على الشائعات ومحاولات إرباك الجبهة الداخلية، ويوجه كافة طاقات مؤسسات الدولة والشباب والجمهور نحو البناء والتنمية.
\- إسقاط الرهانات في الخارج: إرسال رسالة للقوى الدولية والإقليمية بأن مصر دولة راسخة المؤسسات، قرارها السيادي مستقل، ودورها كدرع وسيف للأمة العربية ثابت لا يتغير.
الخلاصة:
لقد أثبتت الأحداث أن التاريخ لا يُكتب فقط بالحروب أو بالشعارات، بل يُكتب بالقرارات التاريخية الشجاعة. بقرار واحد ومواقف حاسمة، وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي أسسًا راقية ومحترمة لاختيار قادة مصر القادمين، وترك خلفه دستورًا مهابًا وإنجازًا شاهدًا، وفي ذات اللحظة.. رسم بيده حدود الأمن القومي العربي، وقطع الطريق على كل من حاول المساس بهيبته أو التلاعب بمستقبله.
إنها بحق.. «ضربة معلم» كتبت تاريخ مصر الحديث بحروف من نور.

