بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

باحثة في العلاقات الدولية: انتقال السلطة في مصر يتطلب إعداد كوادر جديدة

مونيكا وليم
مونيكا وليم

مصر .. أكدت مونيكا وليم الباحثة في العلاقات الدولية، أن تقييم تجربة الرئيس عبد الفتاح السيسي يتطلب رؤية سياسية متكاملة ومحايدة، تقدر ما حققته الدولة من إنجازات في مراحل مفصلية، وتبحث في الوقت نفسه سبل بناء نظام سياسي أكثر استدامة، قادر على ضمان استمرارية المؤسسات وتعزيز كفاءتها.

 

وأوضحت أن الرئيس السيسي تولى قيادة مصر عام 2014 في مرحلة شديدة الاضطراب، أعقبت أحداث عام 2013 وما صاحبها من استقطاب سياسي ومخاوف بشأن تماسك مؤسسات الدولة، مشيرة إلى أن سنوات حكمه شهدت إطلاق مشروعات قومية كبرى في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل، إلى جانب إعادة ترتيب أولويات الدولة وتحركاتها الداخلية والخارجية.

 

وأضافت أن التحدي الأهم في المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من تثبيت مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على الإنجاز إلى ترسيخ قواعد سياسية تضمن استمراريتها، وتدعم قدرتها على العمل بكفاءة بعيدًا عن ارتباط الأداء بالأشخاص.

 

انتقال سياسي

 

وأشارت إلى أن تصريحات الرئيس السيسي في 17 أكتوبر 2026 بشأن انتهاء رئاسته عام 2030 وعدم إجراء تعديلات دستورية لتمديدها تحمل أهمية سياسية، لأنها تفتح المجال لمناقشة آليات إدارة الانتقال السياسي، وإعداد القيادات القادرة على تولي المسؤولية، ومدى استعداد الأحزاب والقوى السياسية لتقديم بدائل تنافسية.

 

ولفتت إلى أن إعلان مبادرة لإعداد قيادات جديدة على مدار 30 شهرا، مع التركيز على التأهيل في مجالات الحكم وإدارة الموارد وشؤون الدولة، يمثل فرصة يمكن البناء عليها لتكوين كوادر سياسية تمتلك القدرة على اتخاذ القرار وإدارة الاختلاف وتحمل المسؤولية العامة.

 

وأكدت أن نجاح هذه الخطوة يتطلب تجاوز حدود التدريب الإداري إلى إعداد قيادات لديها خبرة عملية في إدارة الملفات الاقتصادية والسياسية والخارجية، وقدرة على التعامل مع التحديات الداخلية والإقليمية والدولية.

 

ضمانات دستورية

 

وشددت على أن الدستور في مصر يتضمن قواعد واضحة تشكل أساسا للانتقال المنظم للسلطة، إذ تقرر المادة الخامسة قيام النظام السياسي على التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات والتوازن بينها.

 

وأوضحت أن المادة 140 تحدد مدة الرئاسة بست سنوات، وتحظر انتخاب الرئيس لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين، مع مراعاة الأحكام الانتقالية التي أدخلت في تعديلات عام 2019 ونظمت وضع الولاية القائمة آنذاك، فيما تحدد المواد 141 و142 شروط الترشح وآليات الحصول على التزكيات اللازمة، وتنص المادة 143 على انتخاب الرئيس بالاقتراع العام السري المباشر.

 

وأضافت أن تداول السلطة ليس مجرد مطلب سياسي أو حزبي، وإنما مبدأ دستوري يتطلب تحويل النصوص القانونية إلى ممارسة مؤسسية تضمن انتخابات تنافسية وتكافؤ الفرص وحرية المواطنين في الاختيار.

 

تطوير الأحزاب

 

وأكدت أن النصوص الدستورية وحدها لا تكفي لضمان انتقال سياسي ناجح، بل يتطلب الأمر خارطة طريق تبدأ بتطوير الأحزاب السياسية، وتعزيز قدرتها على تقديم برامج قابلة للتنفيذ، وإعداد كوادر تمتلك الخبرة في الاقتصاد والسياسة الخارجية والأمن القومي والإدارة العامة.

 

وأشارت إلى أهمية توسيع المجال أمام الشباب والخبراء والمستقلين، وتطوير آليات المحاسبة والرقابة، وتوفير بيئة تسمح للمعارضة بعرض رؤيتها والتواصل مع المواطنين، بما يضمن استمرار السياسات الناجحة وتصحيح أوجه القصور.

 

وأضافت أن فرص المعارضة في الانتخابات الرئاسية المقبلة ستتوقف على قدرتها على تجاوز التشتت التنظيمي، وصياغة مشروع وطني متماسك، وتقديم مرشحين يستوفون الشروط الدستورية والقانونية ويتمتعون بالخبرة والقبول الشعبي.

 

حسابات المرحلة

 

ولفتت إلى أن المرحلة المقبلة تفرض مراعاة متطلبات الأمن القومي والارتدادات المحتملة للتغيرات الإقليمية والدولية، وما قد يصاحبها من إعادة تشكيل للتوازنات الأمنية وموازين القوى، وهو ما يستدعي الاستعداد المبكر ووضع هذه الاعتبارات ضمن حسابات الانتقال السياسي.

 

وأكدت أن المطلوب هو بناء بيئة سياسية قادرة على تحويل موعد عام 2030 إلى استحقاق دستوري تنافسي، وإعداد بدائل تتمتع بالكفاءة والخبرة والقبول الشعبي، مع الحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة ومصالحها الاستراتيجية.

 

وفي المقابل أوضحت أن ظهور مطالبات شعبية باستمرار الرئيس السيسي بعد عام 2030 يظل احتمالًا واردًا في الحياة السياسية، سواء بدافع تقدير ما تحقق من مشروعات أو الخوف من اضطراب الأوضاع الإقليمية أو القلق من البدائل المطروحة.

 

وشددت على أن التعبير الشعبي عن التأييد حق سياسي، لكن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة الدولة على الفصل بين شعبية الرئيس واحترام قواعد النظام السياسي، بما يضمن عدم تحول تداول السلطة إلى مغامرة غير محسوبة، ويحافظ في الوقت نفسه على الالتزام الدستوري.

 

الأمن القومي لـ مصر

 

وتطرقت إلى تصريحات الرئيس السيسي بشأن استعداد مصر لمساندة السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، مؤكدة ضرورة قراءتها في إطار حسابات الأمن القومي والتوازن بين التضامن العربي ومتطلبات اتخاذ القرار العسكري.

 

وأوضحت أن إعلان الاستعداد لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن المملكة حال طلبها ذلك، والدعوة إلى انعقاد جلسة طارئة لمجلس النواب للنظر في منح التفويض اللازم، لا يعنيان أن مصر دخلت الحرب بالفعل أو أن المشاركة العسكرية أصبحت قرارا نافذا بمجرد الإعلان عنها.

 

وأضافت أن المادة 152 من الدستور تنظم إجراءات إعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، بما يشمل أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني والحصول على موافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه، ومن ثم فإن استكمال الإجراءات الدستورية يمثل ضرورة قبل اتخاذ أي قرار من هذا النوع.

 

وأكدت أن مشاركة مصر في أي مواجهة محتملة ضد الحوثيين ترتبط بتقدير حجم التهديد، وطبيعة الطلب السعودي، والأهداف المحددة للعمل العسكري ومدته، فضلا عن المخاطر المحتملة على الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، واحتمالات اتساع المواجهة إقليميا.

 

وشددت على أن الدفاع عن الأمن السعودي والخليجي يرتبط بمصالح مصرية مباشرة، لكنه يستلزم حساب تكلفة التصعيد وتحديد حدود الالتزام العسكري، بما يحقق التوازن بين التضامن مع الشركاء العرب والالتزام الدستوري وتجنب الانزلاق إلى حرب طويلة تتجاوز تكلفتها أهدافها الاستراتيجية.

 

وفيما يتعلق بمواجهة الشائعات السياسية ومحاولات الاستقطاب، أكدت أن هذه المهمة تزداد أهمية مع اقتراب مرحلة الانتقال السياسي، خاصة مع احتمالات استغلال المخاوف الاقتصادية والإقليمية أو الحديث عن مستقبل السلطة لتغذية الانقسام بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

 

وأشارت إلى أن جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من القوى المناوئة للدولة قد تحاول توظيف هذه الملفات لتحقيق أهداف سياسية، غير أن مواجهة تلك المخاطر لا تتحقق بإطلاق اتهامات عامة أو اعتبار كل نقد مؤامرة، وإنما من خلال رفع الوعي السياسي، والإفصاح عن المعلومات، وتوضيح القرارات وأسبابها وتكاليفها، والتمييز بين المعارضة المشروعة والتحريض على العنف.

 

وأضافت أن سرعة الاستجابة للشائعات بالمعلومات الموثوقة تحد من المساحة المتاحة للحملات المضللة، بينما يسهم احترام النقد المسؤول في تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

 

استحقاق 2030

 

وتابعت مونيكا وليم بالتأكيد على أن مستقبل الرئاسة في مصر بعد تصريحات الرئيس السيسي يتوقف على قدرة الدولة على تحويل الاستعداد المعلن للانتقال السياسي إلى عملية مؤسسية متدرجة، تشمل إعداد الكوادر، وإتاحة المنافسة السياسية، واحترام الدستور، والحفاظ على الأمن القومي.

 

واعتبرت أن تجربة الرئيس السيسي تظل استثنائية بالنظر إلى الظروف التي تولى فيها المسؤولية وحجم التحولات التي شهدتها البلاد، مشددة على أن استدامة الإنجازات تتطلب بناء مؤسسات قوية، وإعداد قيادات مؤهلة، وترسيخ قواعد سياسية تضمن استقرار الدولة وقدرتها على التعامل مع تحديات المستقبل.

تم نسخ الرابط