رئيس مجلس الإدارة
حمدان سعفان
رئيس التحرير
وليد الغمري

حينما يتحول الرئيس إلى جزء من المرحلة 'الانتقالية'

بالفعل لم تشهد مصر منذ الحادي عشر من فبراير 2011 سوى مرحلة انتقالية ممتدة، إلى سنوات مقبلة، إما بفعل الإخوان والمجلس العسكري بثورة يناير، أو بفعل أجهزة الدولة، وقوى الإرهاب، بثورة الثلاثين من يونيو. بداية هما ثورتان أقرهما دستور 2014 واعترف بهما المصوتون عليه، حتى لو جادلوك على الأولى ووصفوها زورًا وبهتانًا بالمؤامرة وسعوا إلى تفكيك قواها وتحويلها تاريخيًا إلى انتفاضة ومنها إلى "احتجاجات واسعة النطاق"، وسياسيًا وإعلاميًا إلى "فوضى"، أما الثانية فيراد لها الآن أن تتحول إلى مجرد "ضرورة تاريخية" جاءت للإطاحة بالإخوان الخطر الأكبر على فكرة وهوية الدولة، قبل استعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، أو كما كان يُخَطط لها منذ عقدين أن تكون فى مصر، ولكن بإجراءات متسارعة بشدة. قبل الاستفتاء الأسود الثاني على تعديلات لدستور 1971 فى التاسع عشر من مارس عام 2011 كانت قواعد لعبة الاستدعاء لمنطقة الخطر تدار داخل الغرف المغلقة بين أعضاء المجلس العسكرى وجماعة الإخوان التى أرادت فرض وجودها كمتحدث وحيد باسم الشارع المصري فى التفاوض على المستقبل مع سلطة تخلى لها مبارك عن صلاحياته، فكانت الاستحقاقات السياسية المتلاحقة ما بين انتخاب مجلس شعب ورئيس للجمهورية فى غياب دستور للبلاد أرادت أغلبية برلمانية مؤقتة فيما بعد الانفراد بوضع فلسفة صياغته استنادًا لتفوق عددي لها بتأسيسية المائة، فاكتفى الشعب المصري بمبرر استحواذها على كل شيء ليطلق صرخته التى أطاحت بالجماعة من الحكم خلال أقل من عام، فى مشهد كان للمواطن والقوى الاجتماعية والاحتجاجية وأجهزة ومؤسسات الحكم دورهم فيه، عبر عنه بيان 3 يوليو 2013 . بعدها تأسست عقيدة لدى فصيل غير قليل، من فصائل 30 يونيو، يشبه فى أنانيته ونرجسيته وجبروته وفساد رؤيته الإخوان تمامًا، تقول بأن يونيو هى تصحيح لجريمة يناير وقضاءُ على قضاءِ، وليست إقامة بعد قضاء كما زعمت مباديء وأهداف الستة يوليو المعلنة مثلًا، فبعد أن فشلت الأولى "يناير" فى تقديم مشروع يعبر عن شعاراتها، اندمجت قواها فى الثانية "يونيو" حاملة ذات الشعارات، وحينما خسرت الجماعة الحكم طالب المرشد المؤمنين بفكرها بترديد نفس شعارات يناير خلال اعتصام رابعة لبهتان شعار "الشرعية وعودة الرئيس". لكن نفس القوة وذات المنظومة والأجهزة التنفيذية التى كان لها الفضل داخل مؤسسات الدولة فى تعطيل شعارات الثورة الأولى، أخذت فى وأدها تمامًا وبطريقة ممنهجة بعد يونيو فخسرت فصيلًا وطنيًا من المخلصين، لحساب احتفاظها بفصيل يتبعها من عينة "المواطنين الشرفاء". العينة تلك لها انتماءاتها لطبقات شتى، واحدة تؤمن وتسرع فى الاحتفاظ بامتيازاتها القديمة والمستحدثة المبنية على فكرة تزاوج الثروة والسلطة، وأخرى ترى فى اقترابها من مؤسسات مسيطرة فرصة فى البقاء وضمان صعود اجتماعي وسياسي، ربما عبر أحزاب تمثل معدلات الإنفاق على أنشطتها وحصتها البرلمانية مؤشرًا على توجه الدولة ذاته اقتصاديًا واجتماعيًا، والثالثة لا تهتم بغير أسباب البقاء المتوفرة فى سلطة الحماية وحماية السلطة لها، وهذه هى الحالة المعبرة بفداحة وفضيحة عما تصدره السلطة من أزمات للمجتمع والبلاد، وصلت حد اعتراف تلك الفئة بصحة إجراءاتها فى تقديم أرض تحت السيادة المصرية لدولة أخرى باتفاق ثنائي مكتوب ودون لجوء الأخيرة لطلب تحكيم دولي. هنا الأزمة التى تعبر رمزيًا عن فجوة تتسع بين هدف وطني جامع معدوم لمرحلة تأسيسية بعد دستور 2014 لم تشهد أيضًا سوى استحقاقات سياسية، انتخاب رئيس ومجلس نواب، وواقع يتزايد معه الاكتئاب والإحباط  والافتعال للأزمات المعبرة عن حالة "انتقامية" وكأن السلطة بأجهزتها تجبر الناس على العيش أو الموت فيها بكافة تفاصيلها، واقع تنفصل فيه الدولة بأدوار مؤسساتها الدستورية عن المواطن نفسه، ويتحول الشعور الذاتي بالقوة إلى "تسريبات" مريضة للروح المصرية الوطنية عكستها تسريبات امتحانات الثانوية العامة التى احتج النشء البريء على إعادة مواد منها قبل ساعات وتمت مواجهته بالقوة، لتكسب مؤسسات الدولة عداء جيل قادم أيضًا. ما يميز إجراءات ما بعد يونيو 2013 أنها توافقت فى جزئيات واسعة منها وإرادة شعب، رفض التسلط وقاوم الإرهاب معًا، أسقط الفاشية الدينة لحريته لا لحساب البيروقراطية الحكومية أو العسكرية، راجع هتاف التلاميذ "منظومة فاشلة" احتجاجًا على تسريبات الامتحانات وإلغاء واحد منها، والتعدي عليهم والقبض على بعضهم، واطمئنان آخرين يتحكمون فيها على مستقبل أبنائهم مع بقائها، لتتأكد أننا أمام أجهزة ومؤسسات حولت الرئيس المنتخب نفسه إلى جزء من مرحلة انتقالية ممتدة، سيكون هذا الجيل جزءًا من العداء لتلك المنظومة خلالها. أجهزة ومؤسسات تظهر تصرفاتها وحتى إفيهاتها معبرة عن حقيقة لابد من الاعتراف بها، أن هناك سلطة أقوى من السلطة المنتخبة بكافة أشكالها، تدير البلاد بالطريقة التى يمكن معها مشاهدة "شاومينج" يتحدى من هم أكبر وأعلى من القائمين على وزارة التعليم.. مثلًا، ولا تستطيع تحديد هويته.. هو نموذج جديد للبلاك بلوك يظهر ويتحرك ويختفى ويعلن عن نفسه دون أن يكتشف أحد هويته ومحركه. هكذا المشهد بعد 6 سنوات ونصف من يناير، و 3 سنوات كاملة من 30 يونيو.. وسيستمر انتقاليًا بطابع انتقامي.. بشائره ومظاهره تؤكد فقط إن كل الذين تمسكنا بهم يومًا هم مجرد إفرازات لقناعات يمكن أن تتغير بحكم طبيعة المرحلة الانتقالية بوجهها الانتقامي الذى تطل به علينا الآن.  

بلدنا اليوم
× الرئيسية آخر الأخبار تغطيات ومتابعات الرياضة المقالات الفن الحوادث خدمات خارجي الاقتصاد المحافظات لايف استايل منوعات