رئيس مجلس الإدارة
د/ إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمري

الأزهر والكنيسة والسلطة.. مخاوف وخطوط حمراء

العلاقة بين المؤسسات الدينية والحاكم تحتدم بالصراع الخفى، فهى تقع فى منطقة ما بين الخوف منها أو خوفها من الحاكم، تحديدا كالعلاقة بين "الأزهر والكنيسة" والسلطة، فالعلاقة بينهما علاقة متوترة، تمركزت حول كون الأزهر "خط أحمر" لا يجوز المساس به أو بقراراته فهو جبهة مستقلة، كما قال الشيخ مصطفى المراغى "لا سلطان على شيخ الأزهر غير الله"، وذلك على النقيض مع موقف بعض "المشايخ"، الذين ارتفعت أصواتهم فى الدفاع عن الرئاسة منذ عصور سابقة، حتى وإن كان ذلك على حساب الدين، مما وضع المؤسسة فى مأزق واضح كونهم صوت الأزهر، ورغم ذلك لا يستطيع أحد أن ينكر ماقام به الأزهر على مر العصور منذ نشأته سواء كونه قبلة لراغبى العلوم الإسلامية، وكل ما يتصل بالعلم الشرعى، أو الوقوف ضد الظلم، فهناك مواقف لا تنسى للأزهر، كان بدايتها عام 1795، حيث انفجر الشعب المصرى ضد حكم المماليك، حينما رفضوا الجبايات التى فرضها الأمير محمد بك الألفى، وقتها ثار الشيخ عبد الله الشرقاوى شيخ الجامع الأزهر، واعتصم وطلابه داخل الأزهر وتظاهروا، حتى استجاب أمراء المماليك لمطالب الثوار ووقعوا وثيقة بذلك فى 15 يوليو 1795.وكان اقتحام قوات نابليون بونابرت صحن الأزهر، وضرب الجامع بالمدافع، عام 1798، على إثر مناداة الجموع فى الأزهر بالجهاد ضد الفرنسيين، وبداية الثورة ضد الاحتلال الفرنسى، عام 1798، حيث هاجم الأزهريون الفرنسيين ومعسكراتهم وقتلوا الجنرال ديبوى حاكم القاهرة. كما حث الأزهر الشعب المصرى على رفع شعار "الشعب يريد إسقاط خورشيد باشا"، عام 1805، فذهب عدد من قيادات الأزهر على رأسهم عمر مكرم وعبد الله الشرقاوى إلى محمد على باشا وولوه الحكم وأعلنوا عزل خورشيد باشا، ليأتى الفرمان العثمانى بالرضوخ لإرادة الشعب، والعجيب هنا أن الأزهريين لم يولوا مصريا لخوفهم الشديد من مقام الرئاسة والولاية، وقناعتهم بأنه لا يوجد بين المصريين من هو قادر عليها. وكذلك فى عام 1919، لعب الأزهر الشريف، دورا هاما فى الثورة، وكان منبرا لإلهام الحماسة، وقاد أئمة الأزهر التظاهرات، وخطب خطيب الثورة القمص سرجيوس، من على منبر الأزهر لمدة 59 يوما متتالية، داعيا لاستقلال مصر، ومؤكدا على الوحدة الوطنية.وخلال الحرب العالمية الثانية، رفض شيخ الأزهر آنذاك محمد مصطفى المراغى، مشاركة مصر فى الحرب العالمية الثانية، عام 1939، معلنا أن مصر لا ناقة لها ولا جمل فى هذه الحرب، وقد غضبت الحكومة الإنجليزية من موقف شيخ الأزهر، وطلبت من الحكومة المصرية إصدار بيان حول موقف الإمام المراغى، وكان رد شيخ الأزهر على رئيس الوزراء المصرى حسين سرى باشا الرافض لموقفه، "أتهدد شيخ الأزهر؟، وشيخ الأزهر أقوى بمركزه ونفوذه بين المسلمين من رئيس الحكومة، لو شئتُ لارتقيت منبر مسجد الحسين، وأثرت عليك الرأى العام".وبدافع الاحترام المصحوب بالخوف منه، أصدر الرئيس الراحل أنور السادات قرارًا بمعاملة شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، ويكون ترتيبه فى الأسبقية قبل الوزراء مباشرة، وجاء ذلك بعدما قدم شيخ الأزهر عبد الحليم محمود استقالته كإجراء اضطرارى بعدما أعلن السادات تقليص صلاحيات شيخ الأزهر، وهو الأمر الذى أحدث دويًا هائلًا فى مصر وسائر أنحاء العالم الإسلامى، دفع السادات إلى التراجع عن قراره واحتواء الموقف، وهو ما كان ليحدث لولا خوف السادات من الأزهر وشيخه فى ذلك الوقت، خاصة وأن ثورة 23 يوليو كانت تعرف حجم الأزهر وخطب مفجرها جمال عبد الناصر على منبره لقناعته بسمو مكانته.وكان للشيخ عبد الحليم محمود باع طويل فى حربه ضد الرؤساء باسم مؤسسة الأزهر، ففى عهد السادات، اعترض "محمود"على قانون الأحوال الشخصية، حيث أكد عدم مطابقة بعض مواده للشريعة الإسلامية، ونجح الإمام حتى وفاته فى عدم خروج القانون للنور، كما كان له موقف شهير مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قبل توليه منصب شيخ الأزهر، حيث سمع خطبة للزعيم الراحل أثناء عودته من فرنسا يقول فيها إن شيوخ الأزهر يفتون الفتوى من أجل ديكٍ يأكلونه، فغضب الشيخ، وخلع بدلته وارتدى الزى الأزهرى، وطالب زملائه بنفس الشىء، فاستجابوا له تحديًا للزعيم لما تعرضوا له من مهانة. تكدس عهد مبارك بالصولات والجولات التى خاضها الأزهر الشريف، متمثلا فى إمامه الشيخ جاد الحق على جاد الحق، والذى خاض معارك شرسة ضد بعض البنود الواردة فى مسودة إعلان مؤتمر القاهرة الدولى للسكان، واعتبر إمام الأزهر أن مسودة المؤتمر بها قرارات تناهض الأديان وتعتدى على الكرامة الإنسانية، حيث وجد أن بنود المؤتمر تبيح الشذوذ الجنسى، وتبيح الإجهاض، والحمل بدون زواج، وعقب بيان جاد الحق أصدر الرئيس حسنى مبارك بيانا كان دافعه الأساسى الخوف من الدخول فى أزمة مع الأزهر، وأكد مبارك فى بيانه أن مصر المسلمة لن تسمح للمؤتمر بأن يصدر أى قرار يصطدم مع الدين والقيم.وعقب قرر الكونجرس الأمريكى عام 1995، نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، أصدر الإمام جاد الحق بيانا أدان فيه القرار الأمريكى، ودعا منظمة المؤتمر الإسلامى وجامعة الدول العربية بهيئاتها أن يخرجوا عن هذا الصمت، وان يدافعوا عن قضاياهم، ولعل ذلك يكشف أحد أسباب خوف واشنطن من نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس حتى الآن.وفى 20 يونيو، 2011، أعلن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، بدافع الخوف على هوية الدولة المصرية، وثيقة، عقب ثورة 25 يناير، لتحديد طبيعة المرجعية الإسلامية النيرة ودعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة.كما رفض الأزهر الشريف، مشروع قانون الصكوك الإسلامية، نظرا لوجود مخالفات شرعية فى بعض بنوده، ورفض الأزهر حق تملك الأجانب من غير المصريين للصكوك، باعتباره مخالفا للشرع، لأنه لا يجوز لأجنبى التصرف فى الأموال والأصول الثابتة المملوكة للشعب، وتخوفت الحكومة من تمريره على عكس رأى الأزهر. أما الكنيسة، فقد شهدت علاقة تباينت بين التأييد والرفض لحكام عهود مختلفة مرت على مصر بداية من عبد الناصر حتى السيسى، حيث تصدت الكنيسة لقرارات بعضهم ودعمت البعض الآخر، حيث شهدت فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر علاقة وطيدة استمرت حتى وفاته، حيث كانت أول زيارة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر للكنيسة عام 1965، لوضع حجر أساس لها، والثانية عندما ألقى كلمة الافتتاح، حيث كانت لديه علاقة قوية مع البابا كيرلس السادس. وتدهورت العلاقات فى عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وظهرت الكنيسة بمظهر عدم الخائف من الرئيس، حيث جاءت الزيارة الأولى والأخيرة للسادات للمقر الباباوى فى أكتوبر 1977، ظهر فيها البابا شنودة وهو يؤدى صلاته بالتزامن مع صلاة الظهر التى أداها "السادات" ونائبه آنذاك حسنى مبارك، وممدوح سالم، رئيس الوزراء فى ذلك الوقت، والتى سرعان ما شهدت توترا، بداية من رفض البابا اتفاقية السلام مع إسرائيل، وزاد الأمر تعقيدا عندما وجد الرئيس السادات مظاهرات مناهضة له أثناء زياته لأمريكا حيث طلب من البابا شنودة وقف هذه المظاهرات، إلا أن البابا لم يستجب مما جعل السادات يعتقد أن هذا بمثابة تحد واضح من أصحاب العمائم السوداء فى الكنيسة.وفى صورة عقاب مبطن، أصدرت أجهزة الأمن، قرارا بوقف دروس البابا الأسبوعية، ولكن البابا لم يتملكه الخوف من مقام الرئاسة، وقرر تصعيد الأمر بأن أصدر قرارا بعدم الاحتفال بالعيد فى الكنيسة، وعدم استقبال المسئولين الرسميين الذين يوفدون من قبل الدولة عادة للتهنئة.ووصل الأمر إلى ذروته عندما كتب فى رسالته التى طافت بكل الكنائس قبيل الاحتفال بالعيد أن هذه القرارات جاءت "احتجاجا على اضطهاد الأقباط فى مصر"، وكانت هذه المرة الوحيدة التى يقر فيها البابا علانية بوجود اضطهاد للأقباط فى مصر.وأصبحت القطيعة بين "السادات" والبابا "شنودة" هى عنوان المشهد، وهذا يعكس قلق كل منهما من الآخر، ولذا كان من المنطقى أن يطول عقاب البابا فى أيام "السادات" الأخيرة، وذلك عندما انتصر السادات على هاجس القلق من مغبة الخطوة، حيث أصدر فى سبتمبر عام 1981 قراره بالتحفظ على 1531 من الشخصيات العامة المعارضة، لم يكن مصير البابا الاعتقال وإنما كان تحديد الإقامة فى الدير بوادى النطرون.وفى عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، الذى بدأ حكمه بالإفراج عن المعتقلين، وكان اللقاء بين مبارك والبابا شنودة كنوع من تهدئة للأمور بين الرئاسة والأقباط فى مصر، زار مبارك الكنيسة مرتين، الأولى كانت عام 2000 عندما ذهب لتقديم العزاء فى رحيل الفريق فؤاد عزيز غالى، بينما كانت الثانية عام 2006 لتقديم العزاء فى رحيل حنا ناشد عضو المكتب السياسى للحزب الوطنى، وبعدها اكتفى الرئيس بإرسال برقيات تهئنة لبابا وإرسال مندوبين لتقديم التهنئة فى أعياد الميلاد. وفى عهد محمد مرسى، تولى البابا تواضرس الثانى خلال هذه الفترة، كرسى الباباوية فى مصر بعد وفاة البابا شنودة، ولم يحضر مرسى حفل تنصيب البابا، واكتفى بعدها بإرسال المندوبين للتهنئة فى أعياد الميلاد، ولم يذهب إلى الكنيسة، وفى الاحتفال بعيد الميلاد المجيد ذهب رئيس الوزراء هشام قنديل نائبًا عن مرسى، فقام البابا تواضرس بذكر اسم الحاضرين، ولكن لم يصفق أحد من الأقباط له، بينما فعلوا ذلك عندما ذكر اسم عبد الفتاح السيسى -وزير الدفاع آنذاك-.وسواء بدافع الخوف منها أو الرغبة فى كسب ودها، زار المستشار عدلى منصور، رئيس المحكمة الدستورية، الكنيسة المرقسية مرة واحدة خلال فترة حكمه للبلاد، لتهنئة البابا تواضروس الثانى بعيد الميلاد المجيد، ووقتها، ترجل البابا تواضروس إلى سيارة المستشار عدلى منصور لاستقباله، وكانت الزيارة لها مردود طيب من جانب الأقباط.وعن عهد الرئيس السيسى، هناك صفاء ودفء جزئى فى الأجزاء التى كانت متلبدة على مر العصور، حيث قال الأنبا بيمن أسقف قوص ونقادة، ورئيس لجنة الأزمات فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إنهم كشعب الأقباط يعيشون العصر الذهبى للمسيحيين رغم مضايقات السلفيين فى المنيا وغيره، ولكن هذه الأشواك مزروعة من عهد الرئيس جمال عبد الناصر وترعرعت فى عهد السادات ومبارك، فلا يجب أن نحاسب الرئيس السيسى على تلك الأشواك فى عامين.

بلدنا اليوم
× الرئيسية آخر الأخبار تغطيات ومتابعات الرياضة المقالات الفن الحوادث خدمات خارجي الاقتصاد المحافظات لايف استايل منوعات