رئيس مجلس الإدارة
حمدان سعفان
رئيس التحرير
وليد الغمري
محمد سلطان

في عشق الجدل

فى زمن الكورونا قل التلاقى البشرى و أصبحت المقابلات المختلفة تتم الاآن عبر التطبيقات الإلكترونية سواء كانت إجتماعات عمل أو حتى لقاءات عاطفية تبرد نار مشاعرها عبر وصلات الإنترنت فى ظل جائحة عالمية نتمنى أن تزول عن العالم أجمع قريبا إن شاء الله، في ظل تلك الأجواء المضطربة منحنى القدر فرصة لقاء عمل ممتع وثرى جدا مع أحد أكبر رجال الأعمال فى مصر والشرق الأوسط كله، قرابة الساعة و النصف قضيتها فى مكتبه نتناقش سويا في أمور مالية متعددة تخص شركاته بالداخل والخارج طلب فيها الرجل منى المشورة بصفتى محاسب قانونى أملك ولله الحمد قدرا لا بأس به من العلم والخبرة في هذا الشأن، إنصاتي الشديد لكلمات الرجل العظيم لم يمنع عيني من إختلاس نظرات خاطفة على أدق تفاصيل المشهد من حولى فأنا كنت فى مكتبه مثل المسافر عبر الزمن في رحلة تاريخية تعود جذورها لأكثر من خمسون عاما من النجاح الباهر، حاولت من خلال لقائى الغوص فى أعماق أسرار خلطة هذا الرجل السحرية من أجل تحقيق هذا النجاح الكاسح، ما هى مَلكاته و ما هى أدواته لتطبيق افكاره؟ ماذا فعل للصمود و عدم الإستسلام مثل الغالبية؟ فجأة باغتنى الرجل بنبرة صوت حاسمة جدا مُطالباً مكتبى بتقديم عرض شامل به كافة التفاصيل الفنية والمالية المثبتة بشكل واضح يُغنى جميع الأطراف عن الدخول فى مناقشات جدلية لاحقة، لم يصادر الرجل حقى فى النقاش لكنه طلب أو تقريبا إشترط إن ما نتفق عليه فى النهاية يكون هو النهاية فعلا بلا تأويل أو تحريف أو سفسطة لاحقة تعطل العمل و قد تقضى عليه، كما أوضحت أعلاه كان الرجل شديد الحسم والصرامة فى تلك النقطة بالتحديد و كأنه بإهتمامه هذا كشف لى عن سر من اكبر اسرار نجاحه و هو تجنب الجدل الذى كان موثقاً فى لوحة اعلى مكتبه مكتوب فيها(ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل .. محمد صلى الله عليه وسلم)، تذكرت تلك المقابلة و انا ملازم المنزل مؤخراً لأوقات كثيرة نظرا لظروف الحظر التى منحتنا فرصة الوقت والهدوء للتأمل لكن للأسف وجدت إنى غارق مثل غيرى فى مستنقع مجتمع يعشق الجدل لا فقط يمارسه!! جدل فى اى شيء و فى كل شيء، انا لا أتحدث هنا عن الجدل السياسي أو الإقتصادي أو الدينى او حتى الإجتماعى فى قضية ما لكنى أتحدث عن هذا السرطان الذى طالت يداه كل مجالات المجتمع حتى الجانب الترفيهى نسبياً مثل الرياضة والفن صار الساحة الأبرز للجدل السفسطائي و كما كان تشكيل لجنة للدراسة والتحقيق قديما هو أولى خطوات القضاء على الأمر صار طرح أمر ما للنقاش المجتمعى الأن هو الخطوة الأكيدة للقضاء عليه و يبدو إن المسؤولين فى الوطن على يقين من ذلك فأصبحوا لا يتناقشوا مع أحد حتى لو كان تحت قبة برلمان منتخب لهذا الغرض و ليس فقط لرفض رفع الحصانة عن مرتضى منصور!! لكن صراحة هم معذورون بعض الشيء فأى حوار بناء هذا الذي نريده في مجتمع غارق فى حب الإستقطاب والتخوين.

مجتمع وجد ضالته فى الجدل لدرجة تجعلك كمواطن يجب أن تنحاز بجهل لفئة ما دون غيرها و تلغى عقلك و تطلق للسانك العنان بلا كلل أو ملل، دوائر مفرغة من جدال عقيم لا يعلم شيئاً عن اصول المناقشة من التجرد والموضوعية إحترام الآخر والحديث عن علم فى مجتمع يخلق الصراع و يعشق ممارسة الجدل، فأنت يجب أن تنحاز للحاكم أو المحكومين ثم فى نفس الوقت ترفض افعال الطرفين!! يجب أن تكفر من هو على غير دينك ولا تلتزم انت نفسك بتعاليم دينك!! يجب أن ترفض طلبات الغير حتى تثبت انك قوى و تبغض أيضا مَن يرفضك!! يجب أن تحب محمد صلاح أو أبو تريكة أو الخطيب لا يمكن ثلاثتهم أو حتى غيرهم!! يجب أن تكون من انصار مجدى يعقوب أو محمد مشالى و فى نفس الوقت تحقر من قيمة العلم والعلماء!! يجب أن تجادل فى الفنون حتى تثبت انك ابن بيتهوفن و حفيد وليام شكسبير بينما انت بالكاد تقرأ!! بإمكان كل منا سرد أمثلة لا تنتهى من التناقضات والجمود الفكرى الذى يخلق دوائر مفرغة من الجدل ثم الجدل ثم الجدل و معهم قليل من العمل و هو ما فطن له الرجل الناجح مبكرا و علق حديث محمد عليه الصلاة والسلام فوق مكتبه بل و عمل به و هو الشخص ذو الديانة (المسيحية)الذى دفعته رحابة أفقه ليس فقط لااحترام الغير بل و أيضاً أخذ الصالح منهم بما يفيد الصعود للقمة وإخلاء القاعدة لغيره من عشاق الفشل المُبطن بدوائر الجدال!!

بلدنا اليوم
× الرئيسية آخر الأخبار تغطيات ومتابعات الرياضة المقالات الفن الحوادث خدمات خارجي الاقتصاد المحافظات لايف استايل منوعات