رئيس مجلس الإدارة
د/ إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمري
محمد سلطان

زلابية لوتس

- لا يخفى على أحد إن تركيبة الشعب المصرى الإجتماعية، الاقتصادية، الثقافية والأخلاقية أيضا مرت بالعديد من التغيرات الكبرى منذ بداية الألفية، قبل عصر العولمة كان للشعب المصرى هويته الخاصة بل إن كل جزء داخله كان مختلف عن غيره فالتقاليد داخل العاصمة مثلا غير نظيرتها فى الأقاليم و داخل القاهرة نفسها فابناء المهندسين مختلفين نسبيا عن أبناء شبرا و هكذا، و رغم كل تلك الإختلافات الكبرى على كل الأصعدة كانت الصورة الكبيرة تبدو(ظاهريا)و كأن الكل واحد على غير حقيقة التباين الساحق داخل كل لقطة صغيرة كونت تلك اللوحة الكبرى المختلفة فى التفاصيل لكن بشكل مستتر كون ان البلاد فى هذه الفترة كانت شبه منغلقة على نفسها.

جاء زمن العولمة والانفتاح فى كل شيء و زاد الإستثمار الاجنبى و أصبحت كلمتى الدولية والعالمية متلازمتين لأى عنوان فى اى مكان فالشركة دولية والمدرسة دولية والملابس ماركات عالمية والمطاعم سلسلة عالمية حتى دور السينما والمولات التجارية أصبحت عالمية هى الأخرى بجانب طبعا القفزة العملاقة فى الإسكان المتوسط والفاخر بالتوسع فى المدن الجديدة التى أقيمت على مساحات شاسعة تكاد تقترب من ضعف مساحة ما كان موجود قبلها لذلك فهى ليست مدن جديدة بقدر ما هى فعلا محافظات جديدة كما كانت مقسمة إداريا فى وقت من الأوقات، كل هذا طبعا كان مصاحب لثورة الإنترنت والسوشيال ميديا التى فتحت بيوت الملايين فى العالم على بعضها و أصبح ابن البدرشين متابع جيد لما يحدث فى ميلانو و باتت الحياة الشخصية على المشاع حتى لو كان صاحبها مقيم فى جزر الأنتيل!! هذه النقلة النوعية هى بالأساس مؤشر جيد جدا يدل على النمو الإقتصادى وكذا التطور ومواكبة العصر و إن الدولة المصرية ليست بمنأى عن غيرها من الأمم المتقدمة حتى إن حالة الإنبهار المعتادة التى كانت تصيب أبناء الشعب المصرى عند السفر للخارج باتت فى طريقها للإنحسار بعد تواجد معظم الكيانات العالمية الكبرى فى مصر والإنبهار او الحسرة الفعلية التى نعود بها من العالم الآخر هى كل ما يتعلق بالفجوة العميقة بيننا و بينهم فى السلوكيات العامة والتحضر والرقى فى التعامل و هذه النقطة بالتحديد تحتاج لمقالات أخرى بالتأكيد(يحسب هذا صراحة لحكومة الدكتور نظيف اول مَن اهتمت بالاستثمار بشكل محترف على كافة الأصعدة و حرصت على تحسين المناخ الاقتصادى بشكل عام و تحقيقها معدلات نمو لم يحدث مثلها حتى الأن).

- بالعودة للمجتمع المصرى و كيفية تعامله مع هذه المتغيرات نجد إن السواد الاعظم منه لقد وقع فى الفخ على طريقة عادل إمام فى فيلم مرجان احمد مرجان، محدودى الدخل اول مَن تأثروا سلبا بشكل مباشر نظرا لارتفاع الأسعار المرعب المصاحب لأى مرحلة نمو بينما كانوا هم غير مستعدين لتلك المطحنة نظرا لأن مصدر دخلهم ثابت و لم يلحقوا للأسف بأى مقعد فى قطار النمو و إنعدمت فرصهم تقريبا فى التواجد فى الكيانات الكبرى التى تدفع مرتبات مجزية مناسبة للمرحلة الجديدة نظرا لقلة امكاناتهم العلمية والفنية و عدم تأهيلهم المناسب لسوق العمل والحكومة بدورها لم توفر لهم السلاح الكافى فى مواجهة هذه المعركة الغير متكافئة(جانب سلبى)فى المقابل هذا التطور الهائل فتح الباب على مصراعيه لغيرهم من أصحاب المؤهلات المناسبة(الطبقة المتوسطة والعليا غالبا)الذين تضاعفت دخولهم بشكل غير مسبوق و تعددت فرص العمل والإستثمار لديهم و قلت الوساطة بشكل كبير و أصبح هناك مكان مناسب لأصحاب الكفاءات والأفكار الإستثمارية بدلا من السفر للخارج او الموت البطيء اختناقا بأتربة الأرشيف فى سراديب المؤسسات الحكومية(جانب ايجابى)لذا ترددت مقولة الأثرياء يزدادون ثراء و الفقراء يزدادون فقرا و هى مقولة مضللة بنسبة كبيرة لأن كل تطور و له ضريبة و ان كانت الدولة تحتم عليها حماية محدودى الدخل بشكل أفضل كما اشرت لكنها على الأقل كسرت جبل الجليد والجمود الإقتصادى و قفزت للأمام واى خبير مالى يعلم جيدا إن كلما طالت مدة الثبات على معدلات النمو الجيدة كلما قلت تلك الفجوة بشكل تلقائي و كلما تم ضم اكبر عدد ممكن من المهمشين.

- الفخ الأكبر و على غير المتوقع كان لأبناء الشريحة الأعلى فى الطبقة المتوسطة والعليا هؤلاء مَن تضاعفت دخولهم لكن تضاعفت معها التزاماتهم و صارت الأقساط هى شبح المرحلة و بدلا من الشعور بالراحة والسعادة صارت الضغوط النفسية هى شعار المرحلة رغم توافر كل سبل الراحة!! اذا أين الخلل؟ و ما هو السبب فى هذا الضيق الملازم لفئة كان يجب أن تكون فى قمة النشوة والسعادة فى مقاعد قطر الأموال الذى يبدو إن هناك مَن خدعهم وأخذهم بالخطأ لقطر العجز والضغوط بكافة انواعها!! السر فى الفقاعة، السر فى الرغبة(المريضة)فى احتلال اول مقعد فى القطر و كأن التواجد فى المقاعد الأخرى جريمة، السر فى السباق اللا نهائى بينهم على المظاهر الفارغة والمباهاة، السر فى تعقيد كل ما هو سهل و تحويل ابسط مظاهر الحياة إلى مسرح استعراضى الكل يبحث فيه عن دور البطولة(فقط)و خطف الاضواء من غيره، السر فى الحياة المكشوفة التى وضحت الفروق و جعلتها ساطعة كالشمس فبالأمس القريب كان أغنى رجل فى مصر يسكن على ترعة المريوطية او مجرد شقة على النيل أصبحت الأن قصر فى منتجع و فيلا فى الساحل والجونة و كل ذلك معلن مما سبب ربكة و ضغوط لمَن وسوس لهم الشيطان بدخول منافسة غير مطلوبة والاهم انها بلا نهاية فالثراء والمغريات لا سقف لها والحل الوحيد فى عدم التنافس اصلا مع احد سوى النفس ولا شيء غيرها، الحل فى الاستمتاع بالحياة المناسبة للدخل و ليست الأفضل، ربما فى الثمانينات والتسعينات كان يمكن حجز مقعد الأفضل هذا بهدوء فى بلد مغلق إنما فى بلد مفتوح فتلك عملية انتحارية ولا مانع بالطبع من محاولة التنقل للأمام لكن بتعقل و دون تقليد أعمى يدركه البائع و بالتالى يرفع من أسعاره فهو يعلم جيدا إن المستهلك(الفريسة)يبحث عن اول مقعد لا غير و هذا المقعد الخاص بالطبع له ثمنه، و عليه فإن اسعار كل السلع تقريبا هى أضعاف أضعاف قيمتها الفعلية و ذلك بناء على رغبة المستهلك الذى ان قل سعرها(لصالحه)و أصبحت فى المتناول صارت(بيئة)!! الكل يبحث عن التميز و يسقط فى فخ التقليد على أمل الإنضمام للصفوة و فجأة مصر كلها تتناول كريب ثم وافل ثم سوشى ثم نيوتيلا ثم ريدفيلفيت ...إلخ و اخيرا اللوتس(المتواجد منذ قديم الأزل و كان ارخص من ذلك بكثير قبل دخوله الفقاعة)أصبح مؤخرا شرط اساسى لدخول الفقاعة التى جعلت الزلابية المتواضعة ترتقى و تباع باللوتس و(بالقطعة)أيضا بمبلغ و قدره كأنها جاتوه فرنساوي .. هنئياً للزلابية والفريسكا والفطير وباقى الفريق الشعبى الذى أصبح فى المقدمة يتنافس مع البضائع المستوردة على ما تبقى فى جيوب المصريين إلى أن تفرقع تلك الفقاعة او إلى أن تتغير الثقافة أيهما اقرب و هى فرقعة الفقاعة طبعا!!

بلدنا اليوم
× الرئيسية آخر الأخبار تغطيات ومتابعات الرياضة المقالات الفن الحوادث خدمات خارجي الاقتصاد المحافظات لايف استايل منوعات