رئيس مجلس الإدارة
د/ إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمري
صالح المسعودي

صالح المسعودى يكتب: كان زمان

بعد صلاة العصر وأمام النار الموقدة التي كانت تتخذ منذ القدم دليلاً على الكرم تحيطها أواني القهوة العربية ذات الرائحة الذكية كان هذا اللقاء ألأكثر من رائع الذي جمعني بوالدي ( متعه الله بالصحة ) ذلك الشيخ الكبير الذي يشرف على العقد التاسع من العمر قضى معظمها في عمله الدؤوب وهو الإصلاح بين الناس راجياً دائما أن ينال ثوابه من الملك الديان ، فالدنيا عند والدي كما يصفها دائماً ( لا تساوي شيء ) فهي دار ممر ويجب على كل إنسان فيها أن يحسن كتابة تاريخه بنفسه ( فالإنسان تاريخ لما بعده ) هذا هو منظور والدي للدنيا

لكن ما لفت نظري في لقاء والدي هو ( شريط الذكريات ) الذي جعلني أكاد احلم بأن أعيش تلك الفترة التي يتحدث عنها والدي وأحسست بفارق كبير بين ما يحادثني به والدي وواقعنا ألان ( صحيح أن الخير موجود إلى يوم القيامة ) ، لكن هناك تغير شبه جذري بين ما كان وما نحن فيه الآن ، فصفاء السريرة التي يحادثني والدي بها لم أعد أجدها فيمن يحادثني ألان في واقعنا المعاصر ، فتصدر الكلمات منه فتدخل إلى قلبك مباشرة فهي تخرج من القلب بكل عفوية ولا تحتاج لتلوين أو تنميق

ليفاجئني والدي بسؤال ( ماذا حدث للناس يا ولدي ؟ ) أين المودة والتواصل بين الناس ؟ فرغم وجود الحياة الميسرة الآن إلا أن هذه أمور تكاد تنقرض وأصبحنا مثل ( الأجانب ) نتواصل عن طريق ( البوك ) وطبعاً يقصد ( فيس بوك ) ثم يستطرد مكملاً حديثه ( أما عن البوك ) فحدث ولا حرج فقد تجاوز أمره كل الحدود وأصبح ( ملهاة العصر ) ، فتجد الناس وهم في حجرة واحدة في جذر منعزلة فيجلس كل واحد منهم منفرداً مع جهاز ( التليفون ) الخاص به فلا حوار بين الأجيال وانعدمت ثقافة الحياة ، لان الثقافة الحياتية والخبرات لا تنقل ( آلي ) فهي تحتاج التواصل الحقيقي بين الأجيال

ثم يا ولدي ( ماذا حدث للناس ؟ ) من جهة الأدب و( الذوق العام ) وما كم الألفاظ النابية التي طغت في مجتمعنا المحافظ ، يا ولدي كان التلفظ بكلمة بسيطة خارجة عن النسق تعتبر سبة في جبين قائلها لا تغتفر بل يكاد يتوارى عن الناس فترة حتى تنسى خطيئته والآن تلوك الألسنة الكلام ( القذر ) دون رادع أخلاقي أو ديني بل وأصبحت أمور معتادة لدرجة عدم إنكارها من المجتمع لأنها أصبحت عادة متداولة ، وبالتأكيد هذه أمور لا يصح أن نسن لها القوانين فهي من بديهيات الذوق وحسن التربية

ثم أنه كان فيما مضى تقدير الناس ومعرفة قدر الكبير والصغير وهذا الأمر كان من أهم أسباب الترابط الأسري حتى بين الجيران ، فعلى زماننا يا ولدي إذا حدثت حالة ( وفاة ) عند أحد الجيران وقف الجميع وكأن الموضوع يخص كل من في القرية بل وتؤجل الأفراح لمدة عام بل وبعد العام يستأذن صاحب الفرح من أهل المتوفى ، أما ألان وخاصة في ( المدن ) فيقطنون في مبنى واحد وتجد في نفس المبنى مأتم كما تجد ( احتفال بعرس ) ولو تفضل أهل العرس على أهل الميت أن يوقفوا ( الدي جي)

حتى يُنزل أهل الميت متوفاهم من الأدوار العليا إلى سيارة نقل الموتى حتى يتم استئناف مراسم العرس بكل صخب

ثم يا ولدي ( ماذا حدث للناس في رمضان ؟ ) فقد كان رمضان فيما سبق فرصة عظيمة لكسب الحسنات المضاعفة في هذا الشهر العظيم من قراءة القرآن والأوراد ومنافسة الناس على جلب ( الغريب ) فالضيف مكرم في أي وقت ولكن يزيد البحث عنه في رمضان بحثا عن الأجر والثواب أما الآن يا ولدي فمعظم الناس ( إلا من رحم ربي ) يبحث عن خريطة البرامج التليفزيونية والمسلسلات التي يتسم معظمها بالعري والإسفاف اللفظي الذي يقلده الأطفال الصغار متخذين من مثل هؤلاء القدوة

أما ما يخص إطعام الطعام فتحول يا ولدي البحث عن الغريب والفقير الذي فرض الصوم لنحس به وبفقره إلى موائد للولائم التي يدعى فيها علية القوم وأغنيائهم ( إلا من رحم ربي ) بل والأدهى والأمر ذلك الإسراف الذي يزيد عن الحد الذي نرى فيه الولائم الفاخرة وما بها من تبذير ثم يلقى الفائض عن الحد في سلال القمامة في الوقت الذي يتأوه فيه أطفال المسلمين قي عدة بلدان من الجوع والحرمان بل وفي المناطق الفقيرة في مصر أيضا

قد يكون كلامي مؤلم يا ولدي لكنها الحقيقة التي يجب أن نواجهها بتغيير سلوكنا للأفضل ولا ابحث يا ولدي عن أن أعيدكم لزمني فقد تقولون ( دي دقة قديمه ) فقط أقول لكم خذوا من الزمن الجميل أفضل ما فيه وقوموا بخلطه بأجمل ما وجدتم في الحداثة حتى تستمتعوا بحياتكم لان راحة البال يا ولدي والصدق مع النفس المغلفة بأدب الحوار والذوق العالي هي مقومات مهمة لحياة سعيدة

صالح المسعودي

بلدنا اليوم
× الرئيسية آخر الأخبار تغطيات ومتابعات الرياضة المقالات الفن الحوادث خدمات خارجي الاقتصاد المحافظات لايف استايل منوعات