رئيس مجلس الإدارة
د/ إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمري
وليد الغمرى

وليد الغمرى يكتب عن أصنام وكهنة معبد إبراهيم عيسى

كنا صحفيين صغار حين تعرفنا على اسم إبراهيم عيسى.. تم تسويقه لنا على أنه النموذج الخارق للعادة.. ولما لا وهو الصحفي الذي تلاحقه السلطات، وتصادر صحفه التي يترأسها، وتصادر رواياته التي يؤلفها.. ورغم ذلك لم تغريني فكرة العمل مع إبراهيم عيسى والذي كان يهرول للعمل معه معظم أبناء جيلي.. ومن فيض حكاياته التي لم تكن تنتهي في تلك الأيام.. كنت أتابعه عن كثب.. في البدء كان لكي أتعلم من كتابات الكاتب الكبير.. وصدمني مزجه للهجة العامية في كتاباته وهو أمر لم استسيغه وقتها.. ولا أخفيكم سراً أني وقتها أعجبت كثيراً كصحفي صغير بجرأة الأستاذ الذي كان يستطيع كتابه مالا يجرؤ عليه غيره على كامل صفحات الجرائد المصرية.

كانت أول الصدمات التي واجهني بها أحد زملائي الذي كان يعمل معه.. أن راتبه الشهري لم يكن يتعدى ال500 جنيه وقتها في ذات اللحظة التي كان يتقاضى فيها بعض قيادات الصحيفة المقربين من عيسى أرقام مبالغ فيها جدا.. في الوقت الذي لم يكن أحد من زملائه يعرف راتب رئيس التحرير.. وأنه حين أعترض ـأ قصد زميلي المحرر الصغيرـ على ضعف ما يتقاضاه فما كان من الأستاذ عيسى غير الرد عليه بعبارة شهيرة له جين قال: "حتى لو لم تتقاضوا أي رواتب فيكفي أنكم تعملون مع أبراهيم عيسى.. وجودكم معي يمنحكم نجومية وهذا يكفيكم".. تلك العبارة التي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير في ضميري ودفعتني ألا أحاول يوما الاقتراب من معابد إبراهيم عيسى.

وتوالت الحكايات والصحفيين الصغار أخذوا في التمرس المهني فتكشفت لنا كل الأسرار.. خاصة حينما فاجأني أحد القيادات في "الحزب الوطن" ـ الحزب الحاكم وقتهاـ حين قال لي أن مقال إبراهيم عيسى.. الذي يهاجم الرئيس في صباح كل يوم على صدر الصفحة الأولى لجريدة الدستور.. يتم مراجعته بشكل دوري من قبل جهات سيادية في الدولة قبيل النشر.. ولا يوجد في مصر حرف يتم نشره لا توافق عليه الدولة.. وحين رفعت قضية إهانة مبارك على إبراهيم عيسى، وهاتفت مصدري القيادي الحزبي البارز.. قال لي بالنص "لن يقضى إبراهيم عيسى يوما في السجن حتى لو حصل على حكم نهائي من أي دائرة قضائية"!

والحقيقة أن إبراهيم عيسى.. تلك الشخصية التي تم صناعتها داخل أروقة أجهزة المعلومات في مصر.. كان وسيظل قطعة مهمة في قطع اللعب على رقعة الشطرنج الداخلي والخارجي.. فقد كانت مقالات أبراهيم عيسى، يحملها السيد جمال مبارك ضمن ملفاته الشخصية خلال زياراته للإدارة الأمريكية.. وقتما كان يتم تسويقه لحكم مصر.. لكي يقسم بأغلظ الأيمان أن حرية الصحافة في بلادنا لا تستطيع تحملها أعتى الديمقراطيات في العالم، ويكفي أن رئيس الجمهورية يتم التطاول عليه في كل صباح على صفحات الصحف المصرية.. والدليل مقالات أبراهيم عيسى.

إبراهيم عيسى الذي كان ضيفا مهما مع غيره في الغرف المغلقة أبان ثورة يناير وما بعدها.. ظل بالنسبة لي ولغيرى مجرد "تاجر" شاطر من تجار "الكلمة" في مصر.. فقد باع قلمه كثيراً واستطاع أن يكسب منه طوال الوقت.. شأنه في ذلك شأن العديد من الصحفيين المصريين الذي تكشفهم أرقام حساباتهم، وإقرارات ذممهم المالية، وأرصدتهم داخل وخارج مصر.. ولكن الواقع يقول إن عيسى كان وسيطل كبيرهم الذي علمهم السحر.. فهو من أوائل ذلك الجيل الذي أستطاع ادارة صفقات الغرف المغلقة مع الجميع في دوائر السلطة والمال وحتى في دوائر أعداء مصر.

فإبراهيم عيسى الذي عقد صفقة مع الإخوان المسلمين يعرفها الجميع، وحول صحيفته الدستور إلى منبر لهم مدفوع الأجر، وصوتاً لهم في نهايات عصر مبارك.. هو نفسه إبراهيم عيسى الذي عقد صفقة أن يكون معارض مبارك نفسه الأول مع النظام.. وهو نفسه إبراهيم عيسى الذي روج للفكر الشيعي على صفحات جريدته في نفس الوقت.

كل ما سبق لم يزعجني وإنما ما أثار حفيظتي بشكل مبالغ فيه.. أنى كنت أحتاج لجلسات عمل مطولة واجتماعات طويلة مع كل الصحفيين الشبان الذين عملوا معي.. سواء لتنظيف عقولهم من نسخة مدرسة إبراهيم عيسى الصحفية.. أو حتى لتدريبهم على الصحافة التي أعرفها وتختلف كلياً وفعلياً عما كان ولازال يقدمه إبراهيم عيسى.. أضف الى ذلك طابور المخدوعين داخل وخارج الوسط الصحفي والذي طالما أشعروني بالغثيان من براعة تمثيل إبراهيم عيسى وقدرته على إقناعهم بكل هذا الكم من الزيف.

وأذكر أنى في أحد لقاءاتي مع نقيب الصحفيين الأسبق الأستاذ جلال عارف وكان يتندر على جملة كتبها إبراهيم عيسى في معرض مقال له كان يهاجم فيه الرئيس مبارك ويستنهض الشعب ضده وهو يقول "يا شعب مصر بروح أمك أصحى وفوق" وما كان من سيادة النقيب غير التهكم منفعلا من جملة عيسى ليختم تهكمه بعبارة لن أنساها حين قال لي " لقد خلق هذا الممثل جيلاً من المغيبين في بلاط صاحبة الجلالة.. ستدفع المهنة ثمن جهلهم لسنوات كثيرة قادمة" وأعتقد أن مقولة الأستاذ جلال عارف تتحقق الأن على الأرض.

والحقيقة أن ما أريد أن أختم به تلك السطور هو أننا جميعا داخل أروقه هذه المهنة.. دفعنا ولا زلنا ندفع فاتورة مدرسة إبراهيم عيسى.. تلك المدرسة التي ضمت صحفيين كثيرين يقودون المهنة منذ فترة.. ندفع فاتورة لوبي إبراهيم عيسى وفرقته.. ببساطه لأن من يحكموننا الأن تم تصدير هؤلاء لهم على أن هؤلاء هم الصحفيين.. ولم يكلف أحداً نفسه داخل أروقة أجهزة المعلومات أن ينقل الصورة الصحيحة عن مهنة هي من أقدس المهن في هذه الحياة.

ويبقى المؤكد أن أجيالاً كثيرة في مهنة البحث عن المتاعب سوف تدفع ثمن بقاء إبراهيم عيسى ورفاقه في هذه المهنة التي أساءوا لها قبل أن يسيئوا لأي شخص أخر في هذا البلد.. أقول هذا وأنا أعرف أننا دخلنا معركة الوعي منذ زمن ولا زلنا نحقق فيها خسائر ضخمة بسبب جيل "الكهنة "المزيفين الذين تاجروا بكل شيء في بلادنا لكي تتضخم ثرواتهم الخاصة وعلى رأسهم إبراهيم عيسى ورفاقه.

بلدنا اليوم
× الرئيسية آخر الأخبار تغطيات ومتابعات الرياضة المقالات الفن الحوادث خدمات خارجي الاقتصاد المحافظات لايف استايل منوعات