رئيس مجلس الإدارة
د/ إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمري
محمد سلطان

ريش فى الهواء!!

- اى صورة واقعية تحمل داخل طياتها أشياء جيدة و أخرى سيئة و هذا شيء بديهى جدا فلا يوجد واقع مثالى وإلا تحول إلى حلم و ليس واقع نعيشه نعمل جميعا من أجل تحسينه دوماً او كانت القيامة قامت و أنعم الله علينا بجنته و نحن لم نعلم بعد!! و هذه القاعدة الأساسية تنطبق على اى لقطة مأخوذة من اى مكان فى العالم سواء كانت فى سويسرا او بوركينا فاسو مع كامل الاحترام للشعب البوركينابى.

مؤخرا ثارت زوبعة مفتعلة فى مصر بعد مغادرة بعض الفنانين لقاعة العرض خلال مشاهدتهم لفيلم(ريش)ضمن فعاليات مهرجان الجونة و الذى تُعد تلك هى المرة الأولى التى يتم ذكر اى شيء عن عروض أفلامه و ليس عروض ازيائه و هذا شيء جيد فى حد ذاته!! فى البداية وجب التوضيح بأن الفنون بشكل عام تأتى فى مقدمة الأدوات التى يستخدمها المُبدعين فى توصيف الواقع و طرح قضايا المجتمع من أجل تعريف العامة بها و محاولة تنبيه المسؤولين للبحث عن حلول وبالمناسبة كلمة المسؤولين لا تعود هنا فقط على مَن يعمل فى موقع خدمة عامة بل تعود أيضا على اى شخص طبيعى عليه مسوؤلية شخصية و مجتمعية من أجل تطوير نفسه و البيئة المُحيطة به.

- بما ان الحديث الأن عن السينما بالتحديد فالصراع الأبدى بين صناع الأفلام والرقابة او حتى الرأى العام كان ولازال دوما مُنحصرا فى تابوهات الدين، الجنس والسياسة و هذا الصراع بقدر ما هو عميق بقدر ما يمكن البت فيه بشكل نهائى بكلمة واحدة فقط و هى((الفن)) هذه الموهبة الإلهية التى يجب أن يترجمها المُبدعين إلى لغة سينمائية راقية ممتعة يتم من خلالها إيصال الرسالة بشكل جمالى مقبول يستسيغه المتفرج الطبيعى و لا ينفر منه مهما كانت أيدولوجيته و مهما كانت تفاصيل العمل صعبة و قاسية و غير إنسانية،هذه اللغة السينمائية هى فرض عين على المُبدعين ولا مبرر أبدا للحياد عنها تحت اى حجة حتى لو كانت وصف لقطة من الواقع وإلا أصبحنا أمام شخوص عادية تنقل الواقع كما هو بشكل وثائقي و غالبا ما يكون مقزز و هو ما يتنافى مع سمو لغة الفن المعهودة، فما بالنا بتقديم بمشهد(واقعى)بالتفصيل الدقيق عن زنا المحارم؟او مشهد آخر عن شخص يعذب أهله بمنتهى الوحشية او آخر يقضى حاجته أمام الكاميرا؟ أليس كل ما سبق و عشرات اضعافه من المشاهد المُنفرة هى لقطات من الواقع؟ لكن هل يعنى ذلك تقديمها بشكل تسجيلى دون تجريد فنى حتمى يدركه بسهولة اى متخصص او حتى مشاهد عادى يستطيع التفرقة بين العمل الراقى حتى لو كان يصف حياة عشوائية و بين عمل ردىء يستخدم لغة تجارية رخيصة تخاطب غرائز مشوهة و عقول اكثر تشويها حتى لو كان ينقل حياتهم فى الفيلات والقصور!!

- بالعودة لفيلم(ريش)فأنا لم اشاهده مثل الغالبية لكن حصوله على جائزة فى اكبر مهرجان سينمائي دولى ينفى عنه بشكل قاطع تهمة التجارة و يجبر الجميع على الإعتراف بإحترافية صانعيه و هنا تنتهى القضية قبل أن تبدأ ولا داعى لترديد كلام ساذج عن توجهات لجنة تحكيم مهرجان كان العالمى لتشويه سمعة مصر!! فما هى المشكلة من الأساس فى تقديم لقطة واحدة من صورة كبيرة ايا كان حالها سواء كانت مُبهجة ام كئيبة و قاتمة؟ ذكرت فى المقدمة إن اى شخص بالغ يدرك ببساطة أن الصورة الكاملة لأى مجتمع يستحيل أن تكون كلها جيدة او كلها سيئة لذا لا غضاضة أبدا فى فتح المجال للمُبدعين لتقديم اللقطة التى يراها كل منهم ايا كانت فهى فى النهاية لا تمثل سوى رؤية شخصية و زاوية واحدة من زوايا عديدة متاح رؤيتها للجميع، قد أتفهم غضب النخبة و بالتبعية الغضب الشعبى عندما يكون هناك(توجه)و موجة عاتية لنقل كل ما هو سلبى والتغافل عن كل ما هو جيد مثلما كان الحال منذ عدة سنوات عندما تم تصوير مصر كأنها موطن العشوائيات والبلطجية والداعرات بشكل فج مٌبالغ فيه اكثر حتى من نسبته فى الواقع و كأن مصر كلها تحيا فى إسطبل عنتر و تل العقارب، فمؤشر الفقر يشير إلى ٢٩% من الشعب و هو مؤشر غير جيد بالطبع لكن ماذا عن ال٧١% الآخرين المُتدرجين فى طبقات المجتمع المختلفة و يستحقون أن تناقش قضاياهم و آلامهم و افراحهم!! هذا ولله الحمد بات لا يحدث حاليا و أصبحت الصورة البصرية اكثر جمالا لأن صورة الدولة المصرية حقيقة أصبحت افضل(بشكل عام)رغم كل السلبيات القاتلة و هذا ليس الأن فقط لكنه بدأ منذ بداية الألفية الثانية و طفرة معدلات النمو القياسية والتطور الإقتصادى إيان حكومة د/نظيف لكن للأسف تم التعبئة الشعبية السلبية حينها لأسباب طويلة لا داعى لذكرها حاليا!!

- بشكل قاطع اعتقد إن سياسة العرض(الجماعى)لكل انواع الفنون مرفوضة شكلا و موضوعا فى كل الأحوال فلا داعى للتجارة بآلام البسطاء تحت شعارات وهمية تهدم المجتمع على المدى الطويل اكثر مما تفيده و لنا فى الماضى القريب عبرة و لا داعى أيضا للمبالغة فى إظهار الرفاهية والصور البراقة التى قد تكون مفيدة فى جلب السياحة(كما فعلت تركيا)لكن الإفراط فيها و(الإجبار) سواء الرسمى او المعنوى على تقديم لون فنى واحد عواقبه وخيمة هو الآخر لأنه تغييب كامل للعقول و تدمير للوعى يوأد الأفكار فى المهد و هو آخر ما تبتغيه الشعوب التى تريد النمو الحقيقى فعلا بدون مزايدات على حب الوطن او شعارات رنانة يصاحبها إطلاق حملات تخوين مُستنكرة تتطاير مثل الريش فى الهواء فوق رؤوس المُبدعين الذين ينتظرون من النخبة تدعيمهم و ليس تحجيمهم!!

بلدنا اليوم
× الرئيسية آخر الأخبار تغطيات ومتابعات الرياضة المقالات الفن الحوادث خدمات خارجي الاقتصاد المحافظات لايف استايل منوعات