رئيس مجلس الإدارة
د/ إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمري
محمد سلطان

محمد سلطان يكتب .. أزمة سلوك

أحد أصدقائى المقربين هاجر منذ عدة سنوات لأقصى اطراف العالم الآخر و إستقر بالتحديد فى دولة استراليا حيث يحيا هناك مع أسرته الصغيرة، رغم بُعد المسافة يحرص صديقى هذا مثل غيره من المغتربين على زيارة مصر بين الحين والآخر و يحرص اكثر على ترسيخ و تأصيل علاقة أبنائه بوطنهم الأم حتى يخفف من وطآه الآثار السلبية للهجرة عليهم و هو فكر محمود يستحق الثناء فى ظل تعرض الهوية المصرية لأبنائنا بالداخل لضربات متتالية موجعة فما بالنا بهؤلاء قاطنى المهجر!! فى إحدى جولات صديقى الأسرية فى شوارع المحروسة مؤخراً باغته إبنه الأكبر ذات الأربعة عشر عاما بتعليق يبدو بسيط لكنه شديد العمق أعظم ما فيه عفويته كاشفاً بوضوح عورات سلوك الشخصية المصرية الحديثة التى تتنافى للأسف شكلا و موضوعاً مع حديث الأب المتكرر عن عظمة احفاد الفراعنة!! تسائل الصبى(ليه الناس فى مصر أنانية جدا كدة و كل عربية بتهجم على التانية علشان تاخد مكانها حتى لو هتخبطها و تموت أصحابها؟) للوهلة الأولى قد نسخر من السؤال و نتعامل معه ببلادة كالعادة والإجابات الطبيعية لكل الشعب(اذا تعرضوا للسؤال ذاته و إهتم أحدهم بالرد من الأساس)سوف تكون متطابقة تقريبا و إن هكذا هى أحوال المرور الصعبة فى مصر و ستنحصر غالبية الردود حول ازمة الزحمة و كيف هى موجودة فى بلاد كثيرة و إن تلك هى طبيعة شوارع البلد وطريقة القيادة هنا مختلفة و على قائد المركبة التركيز بدرجة مليون فى المائة 24 ساعة يوميا طوال الأسبوع حتى يقل فقط معدل حوادثه ولا ينعدم بالطبع لأن على ارض الكنانة الحوادث تحدث حتماً حتى لو السيارة مركونة اسفل المنزل فى شارع خالى لا يمر به أحد ولو مترجلاً!!

- روى صديقى الواقعة على سبيل الهزار ضمن احاديثه الكثيرة عن زيارته لمصر و كما أسلفت أعلاه إنحصرت التعليقات حول أزمة المرور و تداعيتها رغم إن الصبى بذكائه الفطرى لم يعلق أساسا على خنقة الشوارع بل كانت نظرته اكثر شمولية و اصاب كبد الحقيقة و قال صراحة ما كتمه الكبار(لماذا المصريون يتسمون بالأنانية)و اتخذ من المرور فقط مجرد مثال بسيط و سهل للإستشهاد والإسقاط بصفتها أزمة متكررة يوميا و من حُسن حظ الولد الصغير إنه كان فى اجازة سريعة وإلا كان تأكد و تيقن تماما من صحة ملاحظته لأن الأنانية وبكل آسف هى السرطان المجتمعي الذى تفشى فى أجساد المصريين و قتل ولازال يفعل كل ما بها من رحمة و سكون، بجانب مثال المرور الواضح للعيان فهناك عشرات الأمثلة والتنويعات السلوكية المنحرفة الأخرى المتعددة كماً و كيفاً عن هذا الهلع الأنوى الذى جعل كل شخص لا يفكر سوى فى ذاته و فقط لا غير، هذا المدير الفاسد الباحث عن مصلحته و فى سبيلها يزيح عن طريقه كل مجتهد يعمل فى الظل بينما هو يتنعم بالأضواء، الأشقاء الذين حلوا عن عمد رباط الإخوة المقدس من أجل مصالح شخصية رخيصة و متغيرة، جماعة الأزواج سابقاً والمطلقون حالياً، شلة الأصدقاء المتغيرون كل فترة حسب الفائدة والمصلحة، اى شخص فى منصب قيادى جل همه ان يُهيل التراب على كل ما سبق وجوده مع تعظيم توافه اعماله حتى يتوج نفسه إله العظمة الأوحد ..إلخ، سوف تنتهى المساحة ولن تنتهى الأمثلة لكن كل النماذج السابقة و غيرها دمر حياتهم و حياة ضحاياهم سرطان الأنانية الذى يولد صغيراً مثل الأطفال ثم ينمو بوحشية مرعبة مثل الأسود الغير مروضة خاصة عندما يمتزج مع النرجسية و تضخم الذات فتخرج الأنانية عن حد تفضيل النفس إلى حد إيذاء الغير بشكل فج بات معتاد فى حياتنا إلا من رحم ربى.

- الأنانية سم قاتل يقتل كل مَن يقترب من حاملها قبل ان تقضى على صاحبها شخصياً، الأنانية هى اساس الشرور و اكثر من 90% من انكساراتنا و هزائمنا النفسية التى تخلف دمار داخلى يحرق ارواحنا لم تكن تحدث لو كل شخص خرج من نطاق ذاته و فتح عينه و رأى الآخر و أدرك إن ذاته ليست محور الكون و إن الله سبحانه و تعالى خلقنا امم و شعوب مختلفين فى الجنس، الاعراق، الديانة، الهيئة و ظروف حياة كل منا مختلفة عن الآخر إلى حد التناقض و رغم ذلك أمرنا الدين والعقل بالتعامل السوي فيما بيننا ذاك التعامل المبنى على احترام حق الغير مثل حق النفس إن لم يكن اكثر، احترام حق الغير هو اساس الحياة حتى بين الأغراب فما بالنا بين هؤلاء مَن(تجمعنا) بهم الطرق المختلفة فى الحياة؟ أليس اى طفل يملك بعض الوعى البسيط يدرك إنه لا سبيل لأى نجاح فى اى علاقة او راحة نفسية فى اى تجمع بدون إنكار ذات؟ هل هناك اى انانى من قبل نجح فى تحقيق انتصارات دائمة ام كانت حياته عبارة عن جولات كسبانة و حروب خاسرة!! مَن يرى نفسه أعلى من غيرها عليه بالحياة وحده فنحن بشر متماثلين و لا وجود بيننا لملك الغابة و اذا عدنا لمثال المرور البسيط فالقصة ليست فى الزحمة لأن اكثر من نصفها مختلق نتيجة شخص انانى قرر السير عكس الإتجاه ليوفر دقائق ثمنها ساعات لدى الغير او مدخراته او حتى حياته، او ذاك الأنانى الذى ترك السيارة فى منتصف الطريق حتى لا يستغرق دقيقة فى السير او البحث عن مكان آخر و تلك الدقيقة البسيطة تضيع اضعافها عند غيره بلا قيمة او حساب، بلطجى انانى يبيع بضاعتة فى عرض الطريق بحثا عن رزق مكتوب فى السماء غير عابىء بارزاق غيره المعطلة و حذاري إن يقترب شخص آخر من منطقته التى حظرها لنفسه ما سواها بأنانية مفرطة.. إلخ!!

- الشخص الأنانى بشكل عام نهايته معروفة و شبه مؤكدة و هى نهاية مستحقة جدا فالتاريخ البشرى مكتظ عن آخره بهؤلاء مَن قتلتهم الوحدة بعدما فقدوا اى تواصل انسانى مع الغير فى ترجمة منطقية لقانون الأخذ والعطاء فلا مجال للتعاطف و الدعم لشخص انانى نرجسي لم يعرف طيلة حياته سوى نفسه و لم يعترف فى الأساس بغيره!!

إقرأ أيضاً
× الرئيسية آخر الأخبار تغطيات ومتابعات الرياضة المقالات الفن الحوادث خدمات خارجي الاقتصاد المحافظات لايف استايل منوعات