رحمة.. زهرة المنوفية وضحية قطار مطروح

في قرية صغيرة بمحافظة المنوفية، تسمى عرب أبو ذكري بمدينة قويسنا، كانت "رحمة محمد"، ذات السبعة عشر ربيعًا، تحلم كبقية فتيات عمرها بمستقبل يفتح أبوابه أمامها، كانت عطلتها الصيفية في مطروح بمثابة فسحة قصيرة قبل أن تعود إلى مقاعد الدراسة، حيث تنتظرها كتب جديدة وأحلام معلقة على جدران الغرفة التي لم تعد إليها.
لكن القدر كان له كلمة أخرى، ففي ذلك اليوم، هزت فاجعة انقلاب عربات قطار مطروح قلوب المصريين جميعًا، وأسفرت عن رحيل 3 أرواح بريئة وإصابة أكثر من مئة شخص، ليأتي بين أسماء الضحايا، اسم "رحمة".. الفتاة التي لم تزل خطواتها الغضة تبحث عن بداية طريق.
القصة الأكثر إيلامًا لم تكن في لحظة وقوع الحادث فحسب، بل في اللحظة التي تلقى فيها والدها مكالمة هاتفية من شقيق زوجته تخبره بالكارثة، هرع الأب إلى المستشفى وهو يتمسك ببصيص أمل أن تكون ابنته من بين المصابين، لكن الصدمة كانت أقسى من أن تحتمل.
يقول الأب بصوت يقطر ألمًا: "عندما عرفت أنها ماتت، كانت أمها منهارة، طلبت مني أدخل لأراها، وحين رأيتها في ثلاجة الموتى لم أستطع أن أتعرف على ملامحها؛ لأن وجهها كان مشوهًا."
رحمة لم تكن مجرد رقم يُضاف إلى قائمة ضحايا حوادث القطارات، بل كانت ابنة البيت الوحيد، حلم والديها وسند أسرتها الصغيرة، موتها فتح جرحًا لن يندمل، ورسخ مأساة إنسانية تتجاوز حدود الأسرة إلى مجتمع كامل يتساءل: إلى متى ستظل الأرواح البريئة تدفع ثمن الإهمال على قضبان السكك الحديدية؟
بين دموع والدتها المنهارة وصرخة والدها المكبوتة، تبقى صورة رحمة حية في قلوب من عرفوها، كرمز لزهرة قُطفت قبل أوانها، وتظل قصتها شاهدًا على مأساة كان يمكن تفاديها، لولا قسوة الإهمال الذي لا يرحم.