بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

عصام التيجي يكتب .. " لينك" .. حين يبحث الإنسان عن خيط النجاة

بلدنا اليوم

للمرة الثانية أقتبس عنوان مقالي من اسم العمل الدرامي نفسه ، بعد مقال مسلسل "ما تراه ليس كما يبدو" ، ليس عجزًا عن ابتكار عنوان جديد ، بل تقديرًا وإعجابًا بعمق هذا الاسم وقدرته على التعبير عن جوهر الفكرة .

 

فـ "لينك" العنوان الذي اختاره صناع العمل الدرامي الذي عُرض مؤخرًا على منصة WATCH IT ونجح في الوصول إلى أكبر شريحة من المشاهدين ، كلمة جامعة تحمل في طياتها معاني كثيرة ، فهي لا تقتصر على مفهومها الشائع في لغة السوشيال ميديا ، مثل عمليات النصب الإلكتروني التي يستخدمها قراصنة الحسابات البنكية ، أو الرابط الذي ينقل المستخدم إلى صفحة أو محتوى آخر على الإنترنت .

 

إنّ "لينك" في جوهره تعبير أعمق عن فكرة البحث عن الترابط الأسري بين أفراد العائلة ، وعن تلك الصلات الممتدة إلى الجار الذي أوصانا به نبينا الكريم ، ثم إلى الأصدقاء الذين يشكّلون جزءًا أصيلًا من نسيج حياتنا .

 

ما يميّز هذا العمل أنه يضع يده على واحدة من أكثر قضايا زمننا حساسية : "تآكل الروابط الإنسانية" ، ففي وقت لا يفصل بيننا فيه سوى شاشة صغيرة ، أصبحنا أبعد ما نكون عن دفء الحوار وحضور العائلة ، وعن دور الجيرة الذي كان يومًا صمام أمان للمجتمع ، ليأتي "لينك" مذكّرًا بأن علاقتنا ببعضنا البعض هي ذلك الخيط الذي إن انقطع تهدّمت معه الكثير من المعاني الجميلة .

 

فالدراما هنا لا تسعى فقط لتقديم حكاية ممتعة يلتف حولها المشاهدون ، بل تحاول إحياء قيم تبتعد تدريجيًا عن واقعنا ، نرى فيها كيف تُختبر العلاقات حين تغيب الثقة ، وكيف تتحول التكنولوجيا إلى وسيط يقرّبنا شكليًا ، لكنه حين يُساء استخدامه يزيد المسافات عمقًا واتساعًا .

 

ولأن الفن مرآة المجتمع ، يكشف "لينك" ما جرى لتلك البيوت التي كانت مترابطة فأصبحت تتجاور بالجدران فقط ، بينما اختفت الروابط التي كانت تنسجها المواقف والمساندة والتواصل الإنساني الحقيقي ، ويذكّرنا بأن الإنسان لا يعيش بالصور والرسائل ، بل بالمحبة والدفء والطمأنينة التي تمنحها العلاقات الحقيقية .

 

وعلى الرغم من أن الخط الدرامي للمسلسل يدور حول عمليات النصب الإلكتروني ، فإن محوره الاجتماعي والإنساني أعمق بكثير ، "فاللينك" الحقيقي الذي يجمعنا في الحياة أهم وأقوى ، والرابط الإنساني يحمي من الانزلاق إلى الوهم والخسارة ، أما الرابط الزائف يقود إلى الندم والخداع .

 

ويطرح المسلسل قضية النصب الإلكتروني لا بهدف الإثارة ، بل كجرس إنذار لمجتمع بات عرضة لخدع رقمية تتسلل إلى الهواتف والقلوب في آن واحد ؛ المحتالون في هذا العالم الافتراضي لا يراهنون على الثغرات التقنية فقط ، بل على هشاشة الروابط الإنسانية وضعف الحاجة إلى القرب والثقة ، فيقع البعض فريسة لرابط مزيف يقود إلى الخسارة لا إلى الحقيقة .

 

وهنا تتجلى رسالة "لينك" بوضوح : التكنولوجيا ليست خطرًا في ذاتها ، لكن الخطر يبدأ حين تتحول إلى بديل عن العلاقات الحقيقية ، وحين يصبح الرابط الإلكتروني أهم من الرابط الإنساني ، فأقوى الروابط ليست تلك التي تُفتح بضغطة زر ، بل تلك التي تُبنى بالمواقف ، وتُختبر بالصدق ، وتصمد أمام الزمن .

عمل درامي جيد قدّم صورة واقعية لمجتمعات هشة ، لكنها مليئة بالفرص لإعادة الترابط من جديد ،  ولـ"ضبط إعدادات المصنع" للعلاقات بلغة التكنولوجيا الحديثة ، وإعادة استخدام الهواتف بما يخدم مصالح الناس وصلاتهم بدلًا من إساءة استخدامها .

تحية لصنّاع العمل وأبطاله الذين قدّموا لوحة إبداعية نابضة بالصدق والمشاعر ، معبّرة بعمق عن أحداث المسلسل المختلفة ، وتحية خاصة إلى بكر الراوي ، الشخصية المحورية في هذا العمل ، فهو الرابط الذي أعاد للحياة صوتها الدافئ ، والخيط الذي جمع  الحكايات في مشهد واحد ، والنبض الذي وحّد القلوب حين تفرقت ؛ بكر هو المساحة الهادئة التي تُذكّرنا بأن الإنسان يظل أعظم "لينك" في حياتنا . 
فأقوى الروابط هي تلك التي تعتمد على الحب والمواقف الصادقة ؛ هي خيط النجاة الذي نبحث عنه في حياتنا ، وطريق العودة إلى زمن بات فقدانه خسارة فادحة لكل مجريات أمورنا .

 

تم نسخ الرابط