خاص| خبراء: الذهب يصعد والقلق يضغط على السجائر والدولار ينسّق المشهد
لم يمر سوى 10 أيام فقط من عام 2026، إلا ودخل السوق في حالة من إعادة تسعير غير معلنة، تقودها ثلاث قوى رئيسية، على رأسها الارتفاع المستمر في أسعار الذهب، والضغوط المتزايدة على سوق السجائر عقب الزيادات الأخيرة، إلى جانب الدور الخفي للدولار في إعادة توجيه قرارات التسعير، رغم حالة الثبات النسبي التي يظهر بها داخل البنوك.
هذه التحركات لم تقتصر آثارها على الأسعار فقط، بل تعمقت لتؤثر في سلوك السوق وسلوك المستهلك، حتى أصبح القلق عنصرًا حاسمًا في اتخاذ القرار الاقتصادي داخل السوق المحلي.
وفي هذا التقرير، نُجيب على أبرز الأسئلة التي فرضت نفسها على المشهد الاقتصادي خلال الفترة الماضية.
سوق السجائر تحت ضغط التوقعات
أكد رضا لاشين، الخبير الاقتصادي، أن سوق السجائر شهد حالة من التوتر السريع خلال الفترة القليلة الماضية، عقب إقرار الضريبة الجديدة من مجلس النواب، موضحًا أن السجائر تُعد من أكثر السلع عرضة للتغيرات الضريبية، كونها سلعة ذات طلب شبه ثابت.
وأضاف لاشين، في تصريحات خاصة لـ«بلدنا اليوم»، أن الزيادات التي جرى تطبيقها مؤخرًا في بعض المناطق تعكس توجهات بعض التجار لاستباق تطبيق الزيادات الرسمية التي أقرتها التشريعات الأخيرة.
وأشار إلى أن السوق في الوقت الحالي يتحرك بمنطق التوقع وليس القرار الرسمي المعلن، ما يضع المستهلك في حالة دائمة من القلق والتوتر عند الشراء، لافتًا إلى أن الزيادة السنوية المقررة جعلت السعر يرتفع نفسيًا قبل إقرار الزيادة فعليًا.

الذهب… ملاذ آمن في زمن القلق
وعلى الجانب الآخر، يتصدر الذهب المشهد باعتباره الملاذ الآمن الأول للمواطنين، خاصة بعد قرارات خفض أسعار الفائدة، وهو ما انعكس في تحركات غير معتادة داخل السوق المحلي، مدفوعة بعوامل داخلية وخارجية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير المالي والاستثماري، أن الذهب في مصر لم يعد مجرد أداة استثمارية، بل أصبح وسيلة رئيسية لـالادخار الشعبي.
وأضاف شوقي، في تصريح خاص، أن هذا الاتجاه يتجلى بوضوح في سلوك الأسر محدودة الدخل، التي تسعى للحفاظ على مدخراتها من خلال شراء أوزان صغيرة من الذهب باعتبارها وسيلة لحفظ القيمة.
وأوضح أن العوامل المؤثرة على أسعار الذهب حاليًا لا تقتصر على التوترات العالمية، بل تمتد لتشمل تغيرات محلية تتعلق بالدولار وتكاليف التشغيل والمصنعية، قائلًا: "أول ما يفكر فيه المواطن عند البحث عن وسيلة استثمار، يتجه مباشرة إلى سوق الصاغة، ويدخر مدخراته البسيطة في قطعة أو سبيكة صغيرة حفاظًا على قيمتها".
وأشار إلى أنه حتى في الفترات التي يهدأ فيها الذهب عالميًا، تظل الأسعار المحلية مرتفعة، متوقعًا أن استمرار الذهب في الصعود يعكس تراجع الثقة في الاستقرار طويل الأجل للأسعار، وليس مجرد موجة مضاربة مؤقتة.

السجائر… نموذج التضخم غير المرئي
ومن زاوية أخرى، يرى أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، أن سوق السجائر يمثل النموذج الأوضح لما يُعرف بالتضخم غير المرئي، نظرًا لكونه سلعة يصعب على المستهلك الاستغناء عنها.
وأوضح غراب أن المستهلك يشعر بزيادة حقيقية في نفقاته اليومية، حتى وإن لم ترتفع جميع السلع بنفس الوتيرة، مشيرًا إلى أن السجائر تتحمل زيادات متتالية دون تراجع ملحوظ في الطلب، ما يجعلها أداة مضمونة لزيادة الحصيلة الضريبية.
وأضاف أن هذه الزيادات تنعكس بشكل غير مباشر على معدلات التضخم التي يشعر بها المواطن، حتى وإن لم تظهر بالكامل في البيانات الرسمية، مؤكدًا أن التضخم الحقيقي هو ما يدفعه المواطن من جيبه، وليس ما يُسجل على الورق.

الدولار… المنسّق الصامت
ورغم الاستقرار النسبي لسعر الدولار داخل البنوك، إلا أنه يظل العامل الخفي الأكثر تأثيرًا في تسعير الذهب والسلع المستوردة والمنتجات ذات المكون الأجنبي، حيث يُستخدم كسعر توقع لا كسعر تعامل فعلي.
ويجمع الخبراء على أن الدولار لا يقود السوق بشكل مباشر حاليًا، لكنه ينسّق المشهد من الخلف عبر التوقعات، ويؤثر في قرارات التسعير والتحوط لدى التجار والمستهلكين على حد سواء.