من الاستهلاك إلى التصنيع.. كيف تعيد مصر كتابة دستورها الاقتصادي في 2026؟
بينما كان العالم يلمم جراحه من أزمات سلاسل الإمداد وتذبذب العملات، اختارت الدولة المصرية أن تخوض معركة "البقاء والسيادة الاقتصادية" من داخل قلاعها الصناعية.
مع مطلع عام 2026، لم يعد شعار "توطين الصناعة" مجرد طموح سياسي، بل تحول إلى "دستور عمل" تُرجم إلى استثمارات هائلة ومشاريع عملاقة غيرت وجه الخارطة الاستثمارية في المنطقة، لتنتقل مصر فعلياً من عقلية "توفير السلع" إلى "صناعة المستقبل".
موازنة "الصناعة أولاً"
يعكس الأداء المالي للدولة في عام 2026 تحولاً جذرياً؛ حيث بلغت الاستثمارات المستهدفة في قطاع الصناعات التحويلية نحو 252.8 مليار جنيه، بزيادة سنوية مذهلة بلغت 154% عن الأعوام السابقة. هذا الزخم لم يكن حكومياً خالصاً، بل شهد طفرة في مشاركة القطاع الخاص الذي بات يقود 83% من هذه الاستثمارات، مما يؤكد نجاح "وثيقة ملكية الدولة" في خلق شراكة حقيقية تهدف للوصول بالناتج الصناعي إلى قرابة 2.9 تريليون جنيه.
استراتيجية "الـ 100 ألف مصنع": ثورة الهياكل الإنتاجية
في قلب هذا الدستور الجديد، تبرز "الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالصناعة" التي أطلقها الفريق كامل الوزير (نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية)، وتستهدف هذه الاستراتيجية الطموحة الوصول بقطاع الصناعة المصري إلى حاجز 100 ألف مصنع مسجل ومنتج بحلول عام 2030، مع تخصيص أكثر من 97 مليون متر مربع من الأراضي المرفقة للمستثمرين.

خلال عام 2025 وبداية 2026، طرحت الهيئة العامة للتنمية الصناعية آلاف القطع بمساحات تجاوزت 15 مليون متر مربع في 20 محافظة، مع اعتماد "الرخصة الذهبية" التي منحت لـ 29 مشروعاً استراتيجياً كبرى في أقل من عام، مما قلص زمن البدء في الإنتاج من سنوات إلى أسابيع.
قلاع التوطين: مشاريع غيرت الموازين
تبرز ثلاثة ملفات كبرى كقاطرة لهذا التحول، مدعومة بالأرقام والنتائج الملموسة:
توطين صناعة السيارات: دخلت مصر عام 2026 وهي تستهدف إنتاج 260 ألف سيارة سنوياً محلياً.
وشهد العام الحالي إطلاق طرازات عالمية بشعار "صنع في مصر" مثل (جيب شيروكي W4 وتويوتا فورتشنر)، بالإضافة إلى تدشين أول مصنع متكامل لإنتاج السيارات الكهربائية باستثمارات مشتركة، سعياً للسيطرة على سوق النقل الأخضر في أفريقيا.
التكنولوجيا والبرمجة (مصنع سامسونج بني سويف): يعد هذا المشروع نموذجاً للنجاح؛ حيث تحولت مصر إلى "مركز إقليمي" لتصدير الهواتف المحمولة والتابلت.
بحلول 2026، استطاع المصنع تلبية احتياجات السوق المحلي بنسبة 100% وتصدير ما قيمته 891 مليون دولار من المكونات الهندسية والإلكترونية، مع خطة للوصول إلى 1.5 مليار دولار صادرات إلكترونية بنهاية العام.
مجمع بتروكيماويات السويس والمنطقة الاقتصادية: تعد منطقة قناة السويس الاقتصادية اليوم هي "درة التاج" الصناعي، حيث تضم مشروعات لإنتاج الهيدروجين الأخضر باستثمارات تتجاوز 10 مليارات دولار.
كما بدأ تشغيل المرحلة الأولى من مجمعات البتروكيماويات التي توفر المواد الخام لصناعات البلاستيك والمنسوجات، مما وفر على الميزان التجاري المصري قرابة 2 مليار دولار كانت تُنفق على استيراد هذه المواد.
مبادرة "ابدأ".. الذراع التنفيذي للنمو
لا يمكن الحديث عن الصناعة دون ذكر المبادرة الوطنية "ابدأ"، التي نجحت في عام 2026 في حل مشكلات أكثر من 1500 مصنع متعثر وإعادتها للخدمة.
كما ساهمت المبادرة في عقد شراكات دولية لتوطين 23 صناعة جديدة تدخل مصر لأول مرة، مثل صناعة المحركات الكهربائية ومستلزمات محطات التحلية، مما ساهم في خفض العجز التجاري بنسبة 15% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام.
حلم الـ 100 مليار دولار صادرات: هل اقتربنا؟
وفقاً لبيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية في يناير 2026، قفزت الصادرات السلعية غير النفطية لتتجاوز 44.3 مليار دولار، بنمو قدره 18%.
وتستهدف الدولة بنهاية عام 2026 كسر حاجز 55 مليار دولار، مع التركيز على الأسواق الأفريقية عبر اتفاقية التجارة الحرة القارية، وأسواق الاتحاد الأوروبي التي باتت تطلب المنتج المصري كبديل منافس ومستدام.
البنية التحتية: "القطار الكهربائي" شريان الصناعة
لعبت مشروعات النقل دور "الممكن" للاقتصاد؛ فالقطار الكهربائي السريع (قناة سويس جديدة على قضبان) ربط بين الموانئ والمناطق الصناعية (السخنة، أكتوبر، العلمين، السادات)، مما خفض تكلفة اللوجستيات بنسبة 30%، وهو ما جعل المنتج المصري أكثر تنافسية في السعر العالمي.
تشهد الدولة في عام 2026 طفرة اقتصادية غير مسبوقة، لم تكن وليدة ظرفٍ عابر، بل جاءت نتاج عملية إعادة هيكلة شاملة لبنية الدولة، أسهمت في تعزيز كفاءة الأداء المؤسسي وتحفيز النمو المستدام.