من التحدي البيئي للإقتصاد العالمي الجديدة.. تجربة ريادية بقيادة السفير مصطفى الشربيني
أصبحت البصمة الكربونية اليوم أحد أبرز المفاهيم التي تحكم السياسات الدولية والقرارات الاستثمارية والتجارية على مستوى العالم، بعد أن تحولت من مصطلح بيئي متخصص إلى معيار أساسي للتنافسية الاقتصادية في عصر الاقتصاد منخفض الكربون.
البصمة الكربونية وفق تعريفها العلمي تمثل إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري (خاصة ثاني أكسيد الكربون) الناتجة بشكل مباشر أو غير مباشر عن الأنشطة البشرية، سواء في مجالات الطاقة، او النقل، والصناعة، والزراعة، والغذاء، وإدارة المخلفات، أو حتى أنماط الاستهلاك اليومية للأفراد.
وتتميز هذه البصمة بشموليتها، إذ لا تقتصر على المصانع الثقيلة فحسب، بل تمتد لتشمل الأفراد، والشركات، والمؤسسات، والحكومات، والمدن، وسلاسل التوريد بأكملها، وكلما ارتفعت قيمتها، زادت المخاطر المناخية المرتبطة بها مثل موجات الحر الشديدة، وندرة المياه، وارتفاع منسوب البحار، وتهديد الأمن الغذائي والاقتصادي.
ورغم خطورة التحدي، فإن البصمة الكربونية ليست مصيراً محتوماً؛ بل يمكن قياسها بدقة علمية وإدارتها وخفضها تدريجياً من خلال استراتيجيات مثبتة الفعالية، أبرزها تحسين كفاءة استخدام الطاقة، والتحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، وتبني نموذج الاقتصاد الدائري، وتحسين إدارة الموارد والمخلفات، وتغيير أنماط الاستهلاك.
هذا التحول جعل البصمة الكربونية فرصة اقتصادية حقيقية، حيث أصبحت أداة للابتكار، جذب الاستثمارات الخضراء، وتعزيز القدرة التنافسية في الأسواق العالمية.
في قلب الاقتصاد العالمي الجديد
أصبحت البصمة الكربونية اللغة الرسمية للاقتصاد العالمي المعاصر، فقد ربطت الأسواق المالية الدولية، البنوك التنموية، والاتحاد الأوروبي بين خفض الانبعاثات وإمكانية الوصول إلى الأسواق والتمويل.
وتمثل تشريعات مثل آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) الأوروبية، وتوجيهات الإفصاح عن الاستدامة CSRD، ومعايير IFRS S1 وIFRS S2، أبرز الأمثلة على تحول قياس وإدارة البصمة الكربونية من خيار طوعي إلى شرط إلزامي لاستمرار الشركات في التصدير وجذب الاستثمارات.
الدور الريادي المصري والعربي
في هذا السياق العالمي المتسارع، برزت التجربة المصرية والعربية كنموذج رائد في مجال البصمة الكربونية والاستدامة، بفضل الجهود العلمية والمؤسسية التي قادها السفير الدكتور مصطفى الشربيني، أحد أبرز الخبراء الدوليين في المناخ والاستدامة ورائد البصمة الكربونية في مصر والعالم العربي.
منذ عام 1999، بدأ الشربيني رئيس الكرسي العلمي للبصمة الكربونية والاستدامة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) – مسيرته من خلال بيت الخبرة الدولي للاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، واضعاً رؤية مبكرة ربطت بين البيئة والاقتصاد والحوكمة قبل أن تصبح هذه المفاهيم محور السياسات العالمية.
بناء جيل من الخبراء
امتد دور الشربيني إلى بناء قاعدة واسعة من الكفاءات في مصر والوطن العربي والعالم، من خلال برامج التدريب والتأهيل ونقل المعرفة ومن أبرز إنجازاته:
- تصميم وإطلاق برنامج رخصة مزاولة مهنة مدقق البصمة الكربونية بالمعهد القومي للجودة منذ عام 2022، تزامناً مع استضافة مصر لمؤتمر COP27، والذي يستمر في تخريج متخصصين في الحياد الكربوني.
- المساهمة في ترجمة مبادرات الأمم المتحدة المتعلقة بالحياد الكربوني وتقييم مخاطر المناخ إلى برامج تدريبية وشهادات مهنية.
نتج عن هذه الجهود تخريج جيل من الخبراء الذين أصبحوا اليوم قادة مشاريع استدامة، مستشاري سياسات مناخية، وممثلين للدول والشركات في المحافل الدولية.
معهد ISCF أول معهد متخصص عالمياً
توّجت هذه المسيرة بتأسيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية (ISCF)، أول معهد في العالم يحمل هذا الاسم صراحة – ليكون منصة رائدة تقدم، تقارير قياس البصمة الكربونية المعتمدة للشركات، والمنتجات، والمشروعات، وسلاسل التوريد وفق أعلى المعايير الدولية.
من المعرفة إلى التأثير العالمي
لم تقتصر مساهمة السفير الشربيني على الجانب النظري أو التقريري؛ بل امتدت إلى صياغة السياسات، بناء المبادرات، المشاركة في مؤتمرات المناخ العالمية، تطوير أسواق الكربون، ودعم الدول والشركات في مسارات الحياد الكربوني.
هذا الدور أسهم في تحويل مصر والعالم العربي من متلقين للسياسات المناخية إلى شركاء فاعلين في صياغة الحلول العالمية.خاتمةلم تعد البصمة الكربونية مجرد رقم يحسب، بل أصبحت مرآة تعكس وعي المجتمعات، نضج الاقتصادات، وقدرة الدول على التكيف مع المستقبل.
وفي قلب هذا التحول التاريخي، يبرز الدور الريادي العربي المتمثل في تجربة السفير الدكتور مصطفى الشربيني كنموذج يجمع بين العلم، السياسة، الاقتصاد، والاستدامة، ويحتذى به على المستوى الدولي.