«تريند يحرق الأجساد».. تحذيرات دينية وطبية من تحدي الشاي المغلي
في مشهد يعكس خطورة الانسياق الأعمى وراء ما يُسمّى بـ«التريند»، تصاعدت خلال الأيام الماضية موجة من السلوكيات غير المسؤولة على منصات التواصل الاجتماعي، تضمنت ممارسات تُعرّض حياة الأفراد وسلامتهم الجسدية لخطر حقيقي، ما استدعى تحذيرات حاسمة من المؤسسات الدينية والطبية لما تحمله هذه الأفعال من أضرار جسيمة تتنافى مع القيم الدينية والإنسانية.
تريند خطير تحت ستار الصداقة واختبار التحمّل
حذّرت دار الإفتاء، من المقاطع المتداولة حديثًا عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي، والتي تُظهر قيام بعض الأشخاص بإمساك اثنين بأيديهما، قبل أن يقدم شخص ثالث على سكب الشاي المغلي عليهما، بدعوى قياس قوة التحمل أو اختبار متانة العلاقة بينهما.
ويروّج القائمون على هذه المقاطع لفكرة مغلوطة مفادها أن سحب أحد الطرفين يده سريعًا دليل على ضعف العلاقة، بينما يُعدّ تحمّل الحرارة برهانًا على قوة الصداقة، في سلوك لا يمت للمنطق أو الوعي بصلة.
الإفتاء: إيذاء النفس محرّم ومخالف لمقاصد الشريعة
وأكدت الإفتاء، أن هذا السلوك يُعد فعلًا محرّمًا شرعًا بشكل قاطع، لما ينطوي عليه من إيذاءٍ متعمد للنفس البشرية وتعريضها لمخاطر جسيمة دون أي مبرر معتبر.
وشددت على أن هذه الأفعال تمثل مخالفة صريحة لمقاصد الشريعة الإسلامية وتعاليمها التي جاءت لصون النفس وحمايتها من الضرر.
حفظ النفس واجب شرعي
وأوضحت الدار أن حفظ النفس يُعد من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد أجمعت عليه جميع الشرائع السماوية.
وبيّنت أن الإسلام ارتقى بحق الحياة من مجرد حق إنساني إلى واجب شرعي ملزم، إذ لم تكتفِ الشريعة بإقرار سلامة الجسد، بل أوجبت على الإنسان اتخاذ كل ما يحفظ بدنه ويصونه من الأذى.
أمين الفتوى: لا تراضِي في الإيذاء والجسد أمانة
ومن جانبه، أكد الدكتور محمد كمال، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن ما يُعرف بتريند سكب الشاي المغلي على اليدين فعل محرّم شرعًا وغير جائز على الإطلاق، موضحًا أن هذا السلوك لم يقل أحد من الفقهاء بجوازه، حتى لو تم الادعاء بأنه يتم على سبيل الاختبار أو بالتراضي.
وأضاف كمال، أن التراضي في مثل هذه الأفعال غير معتبر شرعًا، لأنها تنطوي على إيذاء النفس، والجسد أمانة يجب الحفاظ عليها.
واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، مؤكدًا أن كل ما يترتب عليه ضرر لجسد الإنسان أو لأي عضو من أعضائه يُعد محرّمًا، ويُسأل عنه الإنسان يوم القيامة.
وتابع أن الادعاء بأن هذا السلوك تعبير عن الحب أو الصداقة هو ادعاء باطل وفي غير موضعه. وتساءل عن منطق الإقدام على هذه الأفعال الخطرة دون وعي أو تفكير بدافع اللهاث وراء التريند أو الشهرة الزائفة.
رسالة للآباء والشباب: المحبة لا تكون بالحرق
ووجّه رسالة إلى الآباء والأمهات بضرورة المتابعة الجادة لأبنائهم والتدخل لصرفهم عن هذه السلوكيات المؤذية التي تمثل اعتداءً صريحًا على الجسد، كما خاطب الشباب مؤكدًا أن المحبة الحقيقية لا تكون بالإيذاء، وإنما بالوقوف إلى جانب الأصدقاء في الأزمات والدفاع عنهم في غيابهم.
نقابة الأطباء تدق ناقوس الخطر
وفي السياق ذاته، حذّرت نقابة الأطباء المصرية من الانتشار المتزايد لمحتوى خطير على بعض منصات التواصل الاجتماعي، يتضمن تحديات تشجع على سكب المياه الساخنة أو المغلية على اليدين أو أجزاء من الجسم.
وأكدت أن هذه الممارسات تشكل تهديدًا مباشرًا للصحة والحياة، خاصة بين الأطفال والمراهقين والشباب.
الحروق بالمياه الساخنة.. أخطر مما يتصور البعض
وأوضحت النقابة أن الحروق الناتجة عن السوائل الساخنة تُعد من أخطر أنواع الحروق، وقد تكون أشد تدميرًا للأنسجة من غيرها، وقد تؤدي هذه الحروق إلى تلف عميق في الجلد والأعصاب والأوعية الدموية، وتشوهات دائمة، وفقدان الإحساس أو الحركة.
وأكدت نقابة الأطباء أن القدرة على تحمل الألم لا تعكس قوة أو شجاعة حقيقية، وشددت على أن تعمّد إيذاء النفس يُعد سلوكًا غير سوي ولا يمت بصلة إلى الصحة الجسدية أو النفسية.
فئات أكثر عرضة للمضاعفات
وأشارت إلى أن مرضى السكري، وضعف المناعة، والأمراض الجلدية، يكونون أكثر عرضة لمضاعفات خطيرة حتى مع الحروق التي تبدو بسيطة.
وقد تصل المضاعفات إلى التهابات حادة أو تسمم دموي حال التأخر في تلقي العلاج.
ونبّهت النقابة إلى ضرورة التوجه فورًا إلى أقرب مستشفى أو وحدة طوارئ في حال التعرض لحروق بالمياه الساخنة.
كما حذّرت من استخدام الوصفات الشعبية أو أي مواد غير طبية على موضع الحرق، مؤكدة أن سرعة التدخل الطبي عامل حاسم في تقليل المضاعفات.
ودعت النقابة أولياء الأمور إلى متابعة المحتوى الذي يشاهده الأبناء وفتح حوار توعوي معهم حول مخاطر هذه التحديات، كما طالبت الأطباء ووسائل الإعلام وصناع المحتوى ومنصات التواصل الاجتماعي بعدم الترويج أو إعادة نشر هذه المقاطع، والإبلاغ عنها وحذفها حمايةً للصحة العامة.
واختتمت نقابة الأطباء بيانها بالتأكيد على أن «صحة الإنسان ليست مجالًا للتجارب أو الاستعراض، وأن الألم ليس لعبة، والحروق ليست تحديًا».