الصدع العظيم: هل يواجه النظام المالي العالمي "لحظة الحقيقة"؟
في الطوابق العليا من ناطحات السحاب في "وول ستريت" وممرات "حي المال" في لندن، يسود صمت لا يعكس ضجيج شاشات التداول الخضراء، حيث إن هذا الصمت هو ما يصفه الخبراء بـ "الصدع العظيم"، تلك الفجوة التي تتسع يوماً بعد يوم بين أرقام النمو السطحية وبين هشاشة النظام المالي الذي يقف الآن أمام اختبار تاريخي.
نحن لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن إعادة هيكلة شاملة لموازين القوى المالية العالمية، حيث يواجه العالم في مطلع عام 2026 "لحظة الحقيقة" التي ستقرر من سينجو ومن سيسحق تحت أقدام التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية المتسارعة.
الغموض الاستراتيجي
لقد دخل الاقتصاد العالمي مرحلة من "الغموض الاستراتيجي"؛ حيث يشير تقرير صندوق النقد الدولي الأخير إلى نمو عالمي يقدر بنحو 3.3%، وهو رقم قد يبدو مطمئناً للوهلة الأولى، لكنه يخفي تحت طياته تصدعات مرعبة.
هذه التصدعات ليست ناتجة عن نقص السيولة، بل عن "تفتت" النظام الذي اعتدنا عليه منذ عقود.
لم يعد الدولار هو الرابط الوحيد، ولم تعد سلاسل التوريد مجرد خطوط لنقل البضائع، بل تحولت إلى أسلحة في حرب باردة جديدة بين كتل اقتصادية متصارعة، وإن هذا التفتت يهدد باقتطاع ما يصل إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي على المدى الطويل، وهو ما يعادل محو اقتصاد دولتين بحجم ألمانيا واليابان من خارطة العالم دفعة واحدة.
معضلة الديون السيادية
وفي عمق هذا الصدع، تبرز معضلة الديون السيادية التي بلغت مستويات فلكية، فبينما كان العالم منشغلاً بالتعافي من أزمات الماضي، تسللت أرقام الديون لتتجاوز حاجز 315 تريليون دولار عالمياً.
إن لحظة الحقيقة الحقيقية تكمن في أن تكلفة خدمة هذه الديون لم تعد محتملة في ظل معدلات الفائدة التي، وإن بدأت في الانخفاض الطفيف لتصل إلى حدود 3.8% كمتوسط عالمي، إلا أنها لا تزال تمثل ضغطاً هائلاً على الميزانيات الحكومية.
في الدول النامية، الوضع أكثر مأساوية؛ حيث تضطر حكومات بأكملها لتخصيص أكثر من ثلث إيراداتها لمجرد دفع فوائد القروض، مما يعني شللاً تاماً في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية، وهو ما ينذر بانفجارات اجتماعية قد تعيد رسم الخارطة السياسية للعديد من الأقاليم.
جنون الإنتاجية
على الجانب الآخر من الصدع، نجد "جنون الإنتاجية" المدفوع بالذكاء الاصطناعي. هذا القطاع الذي ضُخت فيه تريليونات الدولارات خلال العامين الماضيين، يمثل اليوم طوق النجاة والتهديد في آن واحد. فبينما رفعت الاستثمارات في التكنولوجيا توقعات النمو في الولايات المتحدة إلى 2.4%، يتساءل المحللون في البنك الدولي: هل هذا النمو حقيقي أم هو مجرد "فقاعة خوارزمية"؟ إن لحظة الحقيقة هنا تتعلق بمدى قدرة هذه التكنولوجيا على خلق وظائف حقيقية تعوض الفئات التي سيفقدها سوق العمل التقليدي.
إذا فشلت الشركات الكبرى في ترجمة "التفاؤل الرقمي" إلى "أرباح ملموسة" في عام 2026، فقد نشهد تصحيحاً في أسواق المال يطيح بمدخرات الملايين من البشر الذين وضعوا ثقتهم في "السيليكون" بدلاً من "الذهب".
ولا يمكن قراءة هذا التقرير دون التوقف عند التحول الجيوسياسي في مراكز القوى. الصين، التي كانت لسنوات طويلة "مصنع العالم"، تمر الآن بمرحلة مخاض عسيرة وهي تحاول تحويل اقتصادها نحو الاستهلاك المحلي بنمو مستهدف قدره 4.5%.
هذا التحول أوجد فراغاً في سلاسل التوريد العالمية، بدأت تملؤه قوى صاعدة في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط. في منطقتنا العربية، تبرز مؤشرات إيجابية بنمو متوقع يلامس 3.6%، مدفوعاً باستثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة والمشاريع الكبرى التي تحاول الهروب من عباءة النفط.
لكن هذا النجاح الإقليمي يظل رهيناً بالاستقرار السياسي، فأي اهتزاز في الممرات التجارية الحيوية قد يحول هذه المكاسب إلى رماد في غضون أسابيع.
الصدع العظيم
وعليه فإن، "الصدع العظيم" ليس مجرد مصطلح أكاديمي، بل هو واقع نعيشه في كل قرار مالي نتخذه، وكما إن لحظة الحقيقة التي يواجهها النظام المالي العالمي اليوم تتطلب شجاعة سياسية غير مسبوقة لإعادة ضبط القواعد.
نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي دولي جديد يوازن بين الربح والعدالة، وبين الابتكار والاستقرار، وإذا استمر العالم في تجاهل هذه الصدوع والاكتفاء بـ "ترميم" السطح، فإن الانهيار القادم لن يكون مجرد أزمة مالية، بل سيكون زلزالاً يغير وجه الحضارة الاقتصادية كما نعرفها.
السؤال الآن ليس "هل سيحدث الصدع؟"، بل "هل سنمتلك الجسور الكافية للعبور إلى الضفة الأخرى بسلام؟".