مصر 2026: من تحديات اليوم إلى استثمارات المستقبل
لم يعد الحديث اليوم عن اقتصاد دولة عُرفت تاريخيًا بأنها "فرعون العالم"، بل أصبح الحديث عن مصر كدولة تحمل كل معالم الصمود والثمار الاقتصادية، قادرة على تحمل الأزمات وتجاوز الحصار، وجعل الانتماء إليها ضمانًا للأمان الاقتصادي، لتكون مصر اليوم نموذج يُدرس في التحول من حافة الانهيار إلى قمة الاستقرار.
بعد سنوات من الضغوط التضخمية ونقل السيولة الدولارية، وسط توتر الأجواء حولها، استطاعت مصر، عبر حزمة من السياسات الجرئية والصفقات التاريخية المربحة، إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي، لتصبح الآن "الجمهورية الجديدة" وجهة للاستثمارات وجذب الصفقات في المنطقة.
برنامج الإصلاح الهيكلي لصندوق النقد الدولي مصر
وتُظهر التقارير الرسمية الدولية، الصادرة عن المؤسسات المالية العالمية، أن مصر تجاوزت عنق الزجاجة، فقد مكّن برنامج الإصلاح الهيكلي لصندوق النقد الدولي مصر من تحقيق فائض أولي مستدام في موازنتها الحقيقية، مما عزز قدرتها على سداد نسبة كبيرة من التزاماتها الدولية وتحسين تصنيفها الائتماني.
مؤسسة "فيتش" ترفع التصنيف الائتماني لمصر
وفي بداية عام 2026، رفعت مؤسسة "فيتش" التصنيف الائتماني لمصر مع نظرة مستقبلية إيجابية، مدعومة بحجم التدفقات النقدية الضخمة الناتجة عن صفقات كبرى، أبرزها مشروع "رأس الحكمة" والاستثمارات الأوروبية، والتي ما زالت في بداياتها نحو النمو والازدهار، بما خلق درعًا واقيًا للاحتياطي النقدي الذي تجاوز مستوى الـ 50 مليار دولار لأول مرة منذ سنوات طويلة.
استراتيجية "رأس الحكمة"
وأكد عز حسنين، الخبير الاقتصادي، أن بداية 2026 شهدت انطلاقة محورية جديدة، مستندة إلى محاور رئيسية مثل القضاء على السوق الموازية بفضل سياسة البنك المركزي المرنة وتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ما ألغى فجوة الأسعار وأعاد الثقة للمستثمرين داخليًا وخارجيًا.
وأضاف أن استراتيجية "رأس الحكمة" لم تكن مجرد تدفق نقدي، بل إيذانًا بدخول استثمارات "عنقودية" في قطاعات السياحة، الإنشاءات، والخدمات، ما خلق آلاف فرص العمل.
وأوضح حسنين أن تمكين القطاع الخاص من خلال تنفيذ "وثيقة سياسة ملكية الدولة" أدى إلى تخارج الحكومة من العديد من القطاعات، مما أتاح مساحة أكبر للقطاع الخاص المحلي والأجنبي للقيادة والابتكار.

نموًا متعافيًا بين 5.2% و5.4% خلال العام المالي 2025/2026
ووفق بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والبنك المركزي، شهدت مصر نموًا متعافيًا بين 5.2% و5.4% خلال العام المالي 2025/2026، مدفوعًا بنشاط الصناعة، الاتصالات، والسياحة.
كما ساهم نجاح السياسة النقدية، من تشدد أولي ثم تيسير لاحق، في كسر حدة التضخم ليهبط إلى أقل من 15%، مما انعكس إيجابًا على القوة الشرائية للمواطنين. وسجلت مصر أرقامًا غير مسبوقة في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، متصدرة أفريقيا والعالم العربي في حجم التدفقات الداخلة لقطاعات الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر.

توطين الصناعة والرقمنة
ولم تقتصر الجهود على الاستثمارات العقارية، بل شملت توطين الصناعة والرقمنة؛ فبفضل مبادرات مثل "ابدأ" والحوافز الضريبية في المناطق الاقتصادية مثل منطقة قناة السويس، أصبحت مصر مركزًا لتصدير السلع الهندسية والمنسوجات إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية. كما ساهم التحول الرقمي وإطلاق البنوك الرقمية في دمج ملايين العاملين بالاقتصاد غير الرسمي ضمن المنظومة الرسمية، مما عزز الحصيلة الضريبية دون فرض أعباء إضافية، وحسّن كفاءة إدارة موارد الدولة.
وأخيرًا، رغم هذا النجاح، يؤكد الخبراء أن استدامة هذه الطفرة الاقتصادية تتطلب استمرار الرقابة المالية والحذر من الصدمات الخارجية، مع الالتزام برؤية مصر 2030 لضمان النمو طويل الأمد.