هاجر محمد موسى تكتب: مبادلة الديون بالأصول.. حل سريع أم تهديد للسيادة الاقتصادية؟
على الرغم من التفاؤل الرسمي تجاه سياسة مبادلة الديون بالأصول، ينتشر قلق عميق بين الخبراء الاقتصاديين والمواطنين المصريين.
حيث يتساءل الكثيرون هل تمثل هذه الآلية خطراً أكبر حتى من سياسات الخصخصة التي عانت منها البلاد سابقاً؟ للإجابة على هذا السؤال، نحتاج أولاً إلى فهم طبيعة كل منهما
فمبادلة الديون بالأصول هي أسلوب تمويل تستخدمه الدول المدينة، حيث تُسدد ديونها عبر التنازل عن أصول استراتيجية أو مدرة للدخل مثل الموانئ والعقارات والشركات بدلاً من السداد النقدي. أما الخصخصة فتعني نقل ملكية أو إدارة أصول الدولة إلى القطاع الخاص، وعادة ما يكون عبر البيع الكلي أو الجزئي. حيث يبدو للمواطن العادي الفارق تقنياً، ولكن النتيجة النهائية قد تكون متشابهة
ولكن وفقا للمواطن الاقتصادي النتيجة النهائية هي فقدان السيطرة على أصول وطنية حيوية
حيث يكشف واقع الاقتصاد المصري عن تحديات جسيمة تزيد من مخاطر مثل هذه السياسات. فوفقاً لميزانية السنة المالية 2025/2026، يقف الدين الخارجي عند 161 مليار دولار، حيث تستهلك فوائد الدين 88% من الإيرادات الضريبية، بينما يلتهم خدمة الدين 65% من الإنفاق العام في بلد لا تتجاوز فيه الإيرادات الضريبية 13% من الناتج المحلي.
ويؤكد التصنيف المتدني لمصر في المؤشرات الدولية هذا الوضع، حيث احتلت المركز 145 من بين 176 دولة في مؤشر الحرية الاقتصادية. ويعود هذا التصنيف إلى عقبات هيكلية متعددة مثل البيروقراطية المعقدة، وبطء في إنفاذ العقود، والفساد المؤسسي، والمرونة المحدودة في سوق العمل، والصعوبات في إغلاق المشروعات أو الخروج من السوق
في مثل هذه البيئة ذات العقبات ، يصبح من المشروع التساؤل كيف يمكن لمستثمر أجنبي أن يثق في العوائد الاقتصادية للأصول المصرية؟ بل الأهم، كيف يمكن للدولة أن تضمن حماية مصالحها الاستراتيجية في مثل هذه الصفقات؟
صحيح أن مصر أحرزت تقدماً في بعض المؤشرات، كالمرتبة 65 في بيئة الشركات الناشئة والمرتبة 51 في الانفتاح الاقتصادي، إلا أن التحديات المؤسسية والقانونية تبقى عائقاً رئيسياً أمام النمو المستدام. نحن هنا لا نتحدث عن المزايا النظرية للاقتصاد المصري—كموقعه الاستراتيجي وحجم سوقه—بل عن واقع يعاني من سوء تخصيص الموارد وعدم الكفاءة ومحدودية الموارد.
ينشأ من ذلك كوارث ملموسة مثل التضخم المحتمل الناتج من تحويل الديون إلى استثمارات أجنبية مماقد يؤدي إلى ضخ كميات كبيرة من العملة المحلية في السوق، مما يرفع معدلات التضخم ويؤثر مباشرة على القوة الشرائية للمواطن.
وتآكل السيادة الوطنية بسبب تحويل أرباح المشاريع إلى الخارج دون ضريبة كافية يخلق شكلاً من أشكال الهيمنة الاقتصادية الأجنبية، مما يفقد الدولة سيطرتها على مواردها الاستراتيجية.
بالإضافة إلى تداعيات اجتماعية كما حدث مع الخصخصة،حيث قد تؤدي مبادلة الديون بالأصول إلى تسريح العمالة، مما يرفع معدلات البطالة ويزيد من المعاناة الاجتماعية.
ومن هنا يتضح بإن هذه الآلية لا تعالج الأسباب الجذرية للأزمة مثل عجز الموازنة وسوء الإدارة بل تؤجل المواجهة معها، مع خطر تفاقمها لاحقاً.
توفر التجارب الدولية تحذيرات واضحة. فأزمة الأرجنتين عام 2001 التي انتهت بالإفلاس، وأزمة روسيا عام 1998 بسبب عجزها عن سداد السندات قصيرة الأجل، وفشل برنامج مبادلة الديون في جورجيا كلها أمثلة على كيف يمكن للحلول السريعة أن تفاقم الأزمات إذا لم تُرافق بإصلاحات هيكلية حقيقية.
لاينكر منصف بإن مبادلة الديون بالأصول ليست بالضرورة أخطر من الخصخصة، بل هي وجه آخر لعملة واحدة لإن التنازل عن الأصول الوطنية مقابل تخفيف عبء ديني مؤقت. الخطر الحقيقي يكمن في اعتبار هذه الآلية حلاً جذرياً، بينما هي في أحسن الأحوال مسكن وقتي.
ما تحتاجه مصر هو معالجة جذرية للاختلالات الهيكلية: مكافحة الفساد، وتبسيط البيروقراطية، وتحسين بيئة الأعمال، ورفع كفاءة المؤسسات. بدون هذه الإصلاحات، ستظل أي حلول مالية سواءً كانت مبادلة ديون أو خصخصة مجرد تأجيل لأزمة أعمق، تدفع ثمنها الأجيال الحالية والمقبلة.
لإن السيادة الاقتصادية لا تعني الانغلاق، بل تعني بناء اقتصاد منتج وقادر على المنافسة، يحفظ حقوق الوطن والمواطن في آن واحد. هذا هو التحدي الحقيقي الذي يجب أن تواجهه السياسات الاقتصادية في مصر.