بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

اقتصاد الظل.. المليارات الخفية التي تُحرّك الشوارع بعيداً عن أعين الدولة

بلدنا اليوم

في صخب الكتب والمغامرة بالقراءة المتتالية، اجتاحني الفضول للخوض تحت أضواء الشوارع الجانبية، وخاصة بيوت تحوّلت إلى "مطاعم سحابية"، ورش تصنيع غير مرخّصة، ما يعكس توغّلًا اقتصاديًا غير مرئي، ينمو في صمت تام لا يعرفه الكثير، لكنه يعرف نفسه أمام الجميع باسم "اقتصاد الظل"، أو بما يسميه الاقتصاديون "الاقتصاد غير الرسمي".

بيانات منظمة العمل الدولية

 

من خلال الاطلاع المباشر على بيانات منظمة العمل الدولية، اكتشفت أن هذا القطاع يضم قرابة ملياري شخص عالميًا، أي ما يمثل نحو 60% في الدول النامية والأسواق الناشئة. ويشهد هذا القطاع ازدهارًا مستمرًا بين الباعة الجائلين، وخروج منتجات من ورش غير مألوفة، حيث يبحث الجميع عن قوت يومهم، ويشكل المحرك الرئيسي لدورة رأس مال ضخمة ومعقدة تحرك مليارات الدولارات سنويًا.

الهروب من الرسمية إلى غير الرسمية 

 

وعند التعمق عالميًا، يرى الاقتصادي الشهير هيرناندو دي سوتو، صاحب الرؤية العميقة في كتابه "لغز رأس المال"، أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في وجود هذا الاقتصاد، بل في كونه "رأسمالًا ميتًا". 

فصاحب هذه المشاريع يمتلك أصولًا ومعدات وسيولة، لكنه لا يستطيع استخدامها كضمان للحصول على قروض توسعية لأنها غير مسجلة قانونيًا. 

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن دمج هذا القطاع في الاقتصاد الرسمي قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي للدول بنسبة تتراوح بين 25% و35%.

ومع ذلك، يظل الهروب من "الرسمية" خياراً اضطرارياً للكثيرين بسبب تعقيد الإجراءات البيروقراطية وارتفاع تكاليف التراخيص والضرائب التي قد تبتلع هوامش ربحهم الصغيرة.

الزاوية الاجتماعية تُلقي بظلالها على الاقتصاد غير الرسمي 

 

من الزاوية الاجتماعية، يمثل اقتصاد الظل "صمام أمان" يمنع الانفجار الناتج عن البطالة، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية. 

لكن من الزاوية الاقتصادية البحتة، يحرم هذا النشاط الخزانة العامة من موارد ضريبية هائلة يمكن توجيهها لتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية. 

وفي سياق أخر، أكد محمود محيي الدين، المدير التنفيذي في صندوق النقد الدولي، أن "الشمول المالي الرقمي" هو المفتاح السحري؛ فبدلاً من مطاردة هؤلاء العاملين أمنياً، يجب تقديم حوافز ضريبية وتسهيلات بنكية رقمية تجذبهم للدخول في المنظومة الرسمية.

 إن التحول من الظل إلى النور لا يحمي حقوق العاملين (الذين يفتقرون للتأمين الصحي والاجتماعي) فحسب، بل يضمن للدولة قاعدة بيانات دقيقة لبناء خطط تنموية مستدامة.

 إن بقاء هذه المليارات في الظلام يعني استمرار التنمية "بعين واحدة"، حيث تنمو الثروات الفردية دون أن تنعكس بالضرورة على قوة الدولة وهيبتها الاقتصادية.

تم نسخ الرابط