هل ينجو العقار من فقاعة 2026؟.. قراءة في "صكوك الخرسانة"
في العاصمة الإدارية الجديدة، ترتفع ناطحات السحاب التي طالما أعادت رسم أفق القاهرة بسحر معماري لافت، لكن خلف الواجهات الزجاجية للمكاتب الاستشارية والمؤسسات المالية، تدور تساؤلات ملحّة تشغل صناع القرار والمستثمرين على حد سواء: هل يقترب سوق العقارات من لحظة الفقاعة السعرية أو ما يُعرف بـ الانفجار السعري؟ أم أن ما تشهده السوق حاليًا ليس سوى إعادة تسعير ضرورية للأصول العقارية، بعد سنوات من الارتفاع المتسارع الذي بدأت ملامحه تتشكل بوضوح مع دخول عام 2026؟
لم يعد العقار في مصر مجرد وحدات من الطوب والأسمنت والخرسانة، بل تحوّل إلى ملاذ آمن يلجأ إليه المواطنون للتحوط من تقلبات التضخم وتآكل القوة الشرائية للجنيه.
غير أن هذا التحول صاحبه تصاعد في تساؤلات مشروعة حول قدرة السوق على استيعاب القفزات السعرية الحادة، خاصة مع تجاوز الأسعار في كثير من الأحيان الحدود المنطقية للقوة الشرائية السائدة، ما يطرح علامات استفهام حول استدامة هذا النمو السعري على المدى المتوسط.
المتر تغيّر من الجنيه إلى عشرات الآلاف
ووفقًا لمؤشرات السوق العقاري مع بداية عام 2026، فقد سجلت أسعار الوحدات السكنية في العاصمة الإدارية الجديدة أرقامًا غير مسبوقة، حيث تراوح متوسط سعر المتر السكني بين 27 ألفًا و46 ألف جنيه، في قفزة تعكس التحول الكبير في هيكل التسعير.
وفي المقابل، شهدت المناطق الإدارية والتجارية طفرة أكبر، إذ تجاوز سعر المتر حاجز 150 ألف جنيه داخل منطقة الأعمال المركزية (CBD)، ما يعكس رهانات المستثمرين على مستقبل المدينة كمركز اقتصادي ومالي إقليمي.
هذه القفزة التي بلغت نسبتها التراكمية قرابة 120% خلال العامين الأخيرين، لم تكن مدفوعة فقط بتكلفة مواد البناء، بل كانت نتاجاً لحالة "الطلب الاستثماري" الكثيف.
وبحسب تصريحات خبراء الاقتصاد، فإن أكثر من 65% من المبيعات العقارية في 2025 و2026 كانت "استثمارية" (بغرض إعادة البيع أو التأجير) وليست "سكنية" بغرض السكن الفعلي، وهو ما يضع السوق أمام اختبار حقيقي حول "معدلات التشغيل الاستهلاكي".
الفجوة بين "السعر" و"الدخل"
تكمن العقدة الحقيقية في الفجوة المتسعة بين نمو سعر العقار ودخل المواطن؛ فبينما ينمو سعر الوحدة العقارية بنسبة تقارب 25% سنوياً، لا تزال دخول الطبقة المتوسطة تتحرك ببطء خلف هذا الغول السعري.
ويؤكد مراقبو السوق أن القطاع العقاري في مصر يعاني من خلل هيكلي يتمثل في "تخمة المعروض الفاخر.. ومجاعة في السكن الاقتصادي".
الأرقام تشير إلى وجود فجوة تقدر بـ 450 ألف وحدة سكنية سنوياً تحتاجها الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل، في حين أن معظم السيولة تتدفق نحو "أحجار العاصمة" والتجمعات الفاخرة. هذا الخلل هو ما يغذي المخاوف من "الفقاعة"؛ فالعقار الذي لا يجد مستأجراً أو مشترياً نهائياً (End User) يتحول بمرور الوقت إلى "أصل مجمد" يفتقر للسيولة.
عام 2026 "الفلترة" لا الانهيار
على عكس سيناريوهات التشاؤم المطلق، يرى محللون في القطاع أن عام 2026 هو عام "الغربلة" وليس "الانهيار".
فالشركات العقارية التي اعتمدت على "البيع على الورق" بأسعار غير مدروسة تواجه الآن مأزق التنفيذ الفعلي، مما يؤدي إلى خروج الكيانات غير الجادة من السوق.
مؤشرات المركزي حول العقار تتحدث
الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري تظهر أن القطاع العقاري لا يزال يساهم بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعله محركاً حيوياً لا يمكن السماح بتعثره.
وقد بدأت الدولة بالفعل في تفعيل "صناديق الاستثمار العقاري" كآلية لتسييل الأصول، وهي محاولة لضخ دماء جديدة تسمح للمستثمر الصغير بالمشاركة في ملكية "أحجار العاصمة" دون الحاجة لشراء وحدات كاملة.