بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

خاص| تسجيل أراضي الضفة الغربية كأملاك دولة: هل تمهد إسرائيل للضم الفعلي؟

الضفة الغربية المحتلة
الضفة الغربية المحتلة

تشهد الضفة الغربية تطورات غير مسبوقة، بعد أن صادقت الحكومة الإسرائيلية خلال الشهر الجاري على قرار بدء تسجيل الأراضي بالضفة باعتبارها «أملاك دولة» إسرائيلية لأول مرة منذ عام 1967، وبذلك تتمكن إسرائيل من الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة، ليس في المناطق المصنفة "ج" الخاضعة لسيطرتها وفق اتفاقية أوسلو2 لعام 1995 فحسب، إنما في مناطق تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية الجزئية في "ب" والكاملة في "أ".

وجاء الإعلان عن رزمة قرارات مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر «الكابينت» ومن بينها إنفاذ القانون الإسرائيلي في مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية، و"تسوية" أراضي الضفة، ليكشف عن كارثة محققة, إذ تحول تلك الإجراءات مساحات واسعة بالضفة إلى أراض دولة مملوكة رسميا للمستوطنين بما ينهي احتمالات إقامة دولة فلسطينية مستقلة, فهل تمثل هذه الخطوة الإسرائيلية بداية الضم الفعلي للضفة الغربية وإنهاء فعلي لحل الدولتين؟

قرارات دراماتيكية

في هذا السياق، قال الدكتور «علي الأعور» - خبير الشؤون الإسرائيلية، إن تلك القرارات الدراماتيكية تغير الوضع القانوني والتاريخي والسياسي القائم في الضفة الغربية منذ عام 1967، مشيرا إلى الحكومة الإسرائيلية تطبق سياسة ممنهجة يقودها وزير المالية اليميني المتطرف «بتسلئيل سموتريتش»، تقوم على تعزيز الاستيطان وتقطيع أوصال الضفة الغربية.

وأوضح أن القرى الفلسطينية بالضفة قد تحولت في عهد تلك الحكومة المتطرفة إلى ما وصفها بـ "سجون صغيرة" نتيجة الإجراءات التي نفذها وزير الأمن القومي «إيتمار بن جفير» والتي شملت إقامة نحو ألف حاجز وبوابة عسكرية على مداخل القرى ومحيطها.

الدكتور على الأعور - خبير الشؤون الإسرائيلية
الدكتور على الأعور - خبير الشؤون الإسرائيلية

وأكد الأعور في تصريحات خاصة لـ«بلدنا اليوم» أن مصادقة إسرائيل على تسجيل الأراضي الفلسطينية بالضفة باعتبارها «أراضي دولة» إسرائيلية يعني عمليا إلغاء القوانين الأردنية التي كانت سارية بالضفة منذ عام 1967، ما يتيح للمستوطنين شراءها وتسجيلها رسميا في "الطابو" (مكتب حكومي إسرائيلي لتسجيل ملكية الأراضي والعقارات)، بدلا من "بيت إيل" والتي كانت تمثل مقر الإدارة المدنية لتسجيل الأراضي وفق النظام الأردني، معتبرا أن ذلك “يُعد تحولا جذريا”.

وأضاف: “بحسب تلك القوانين الجديدة، سيتم معاملة المستوطنين خلال إجراءات تسجيل ملكيتهم لأراضي وعقارات الضفة وكأن الإجراءات تتم في تل أبيب والقدس”، واصفا هذا التطور بأنه "دراماتيكي خطير" ويمثل إعلانا فعليا بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

وتابع: “لم تجرؤ الحكومات الإسرائيلية السابقة على تبني قرارات بهذه الجرأة في تحدي القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية”، مشيرا إلى فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة عام 2004، ورأيها الاستشاري الصادر عام 2024 بشأن شرعية الاحتلال الإسرائيلي، اللذين أكدا أن الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة تُعد إقليما واقعا تحت الاحتلال ولا يجوز لإسرائيل إحداث أي تغييرات ديموغرافية أو قانونية فيها.

وشدد على أن تلك الإجراءات الإسرائيلية تمثل تجاوزا مباشرا للمرجعيات القانونية الدولية، وتقضي فعليا على مشروع إقامة دولة فلسطينية وحل الدولتين كما تشكل إعلانا إسرائيليا غير رسمي بإلغاء اتفاقيات أوسلو.

وأشار إلى اللقاء الأخير بين الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» ورئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»، مرجحا أن يكون قد تم خلاله منح ضوء أخضر أمريكي لتمرير الإجراءات الجديدة بالضفة مقابل دفع تل أبيب نحو الانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام في غزة، معتبرا أن ذلك يندرج ضمن “مقايضة سياسية تمنح إسرائيل غطاءً أمريكيا لتحركاتها”، لافتا إلى أن ترامب سبق أن اعترف بسيادة إسرائيل على الجولان ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس ما يعكس مسارا متدرجا لدعم الخطوات الإسرائيلية أحادية الجانب.

وفيما يتعلق بحل الدولتين، أكد الأعور أن تلك الإجراءات التي صادق عليها الكابينت الإسرائيلي تمثل إنهاءً عمليا لهذا الحل الذي لم يعد قائما على أرض الواقع، موضحا أن وجود نحو 250 مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية إلى جانب تقطيع أوصالها وتقسيمها إلى أربعة كانتونات، فضلا عن إقامة ما يقارب ألف حاجز وبوابة عسكرية، قد أفرغ مفهوم الدولة الفلسطينية من مضمونه الجغرافي والسياسي.

ولفت إلى أنه رغم اعتراف نحو 150 دولة بفلسطين على المستوى الدبلوماسي، فإن سموتريتش وبن جفير ونتنياهو يرسخون - حسب تعبيره - "واقعا استيطانيا إحلاليا" يقوم على توسيع المستوطنات وإحلال المستوطنين محل الفلسطينيين بالضفة، مضيفا أن إسرائيل تسن القوانين وتشرعها بما يخدم هذا التوجه في تحد مباشر للمجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ما يثير - حسب تعبيره - “سؤالا جوهريا بشأن طبيعة الرد الفلسطيني”.

ويرى الأعور أن القرار بات الآن بيد الفلسطينيين في ظل محدودية خيارات السلطة الفلسطينية، وأن مستقبل الضفة الغربية سيتحدد وفق القرار الذي سيتخذه الفلسطينيون وتوقيته، مشيرا إلى أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) قد حذر من احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة نتيجة تلك التطورات الإستثنائية.

مسألة وقت

من جهته، اكتفى السفير «حسين هريدي» - مساعد وزير الخارجية الأسبق، بالتعليق لـ «بلدنا اليوم» على تلك التطورات غير المسبوقة بالضفة الغربية قائلا: “للأسف المشروع الصهيوني لإقامة دولة «إسرائيل من البحر إلى النهر» جار تنفيذه على قدم وساق”، مشيرا إلى أن مسألة إخضاع الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية باتت مسألة وقت فقط، وأن الإدارة الأمريكية تدرك ذلك وتوافق ضمنيا على المبدأ دون إعلان ذلك بشكل رسمي.

 السفير حسين هريدي - مساعد وزير الخارجية الأسبق
 السفير حسين هريدي - مساعد وزير الخارجية الأسبق
تم نسخ الرابط