خالد صالح يكتب .. حين تتكلم الأفعال… وتسقط الأقنعة
في زمنٍ اختلطت فيه الأوراق، وارتفعت فيه الأصوات أكثر من الحقائق، تبقى الوقائع وحدها هي الحكم، والتاريخ لا يكتب بالشعارات بل بالمواقف. وكما يقول المثل: "الأفعال أبلغ من الأقوال"، ومن يزرع الريح لا يحصد إلا العاصفة.
منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة عقب عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، والمنطقة تقف على صفيح ساخن. مشاهد الدمار، وأصوات القصف، وصور الأطفال تحت الأنقاض، لم تعد مجرد نشرات أخبار، بل جرحًا مفتوحًا في ضمير الإنسانية. وفي خضم هذا المشهد المأساوي، تكشفت مواقف دول، وسقطت أقنعة أخرى.
مصر، التي قالت كلمتها مبكرًا، رفضت تصفية القضية الفلسطينية أو تهجير أهل غزة قسرًا، وأعلنتها صريحة: الأمن القومي خط أحمر. لم يكن ذلك شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل موقفًا مدعومًا بتحركات سياسية ودبلوماسية مكثفة، سواء عبر القمم الإقليمية أو الاتصالات الدولية. وكما يقول المثل الشعبي: "اللي ملوش كبير يشتري له كبير"، وقد أثبتت القاهرة أنها "الكبير" الذي يعرف متى يتكلم ومتى يتحرك.
وعلى الجانب الآخر، خرجت تصريحات من مسؤولين غربيين أثارت جدلاً واسعًا، خاصة ما أُثير حول أفكار إعادة رسم خرائط أو فرض واقع جديد بالقوة. التاريخ علّمنا أن العبث بالجغرافيا يشعل الحرائق، وأن الشرق الأوسط ليس ساحة تجارب سياسية. يكفي أن نستعيد دروس ما جرى في العراق بعد 2003، أو ما آلت إليه الأوضاع في ليبيا عقب 2011، لندرك أن الفوضى حين تُطلق، لا تعترف بحدود.
اللافت أن بعض القوى التي تتحدث اليوم عن "حلول إنسانية" هي نفسها التي دعمت سياسات أفضت إلى هذا الانفجار. وهنا يصدق المثل: "ضربني وبكى… سبقني واشتكى". فمن أشعل النار لا يحق له أن يتقمص دور رجل الإطفاء.
لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن الشعوب باتت أكثر وعيًا. لم تعد الرواية الواحدة تُمرر كما كان يحدث سابقًا. مواقع التواصل، ووسائل الإعلام البديلة، نقلت الصورة كاملة، بلا مونتاج سياسي. الرأي العام العالمي شهد مظاهرات حاشدة في عواصم كبرى، رفضًا للحرب ودعوة لوقف إطلاق النار.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل اختبار حقيقي للنظام الدولي ومصداقيته. فإما أن ينتصر القانون الدولي، أو يصبح حبرًا على ورق. وإما أن تُحترم حقوق الشعوب، أو تدخل المنطقة نفقًا مظلمًا جديدًا.
في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة كالشمس:
من لا يتعلم من دروس التاريخ… يعيد دفع الثمن مضاعفًا.
والمنطقة لم تعد تحتمل مغامرات جديدة، ولا صفقات على حساب الدم.
فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى،
ومن ظن أن القوة وحدها تصنع السلام، فقد أخطأ العنوان.