بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

خلافات الناتو تتفجر.. أوروبا تتكتل ضد تهديدات أمريكية بسبب موقف مدريد من حرب إيران

ترامب
ترامب

تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية توتراً ملحوظاً بعد تصريحات حادة أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هاجم فيها الحكومة الإسبانية وهدد بإجراءات اقتصادية ضدها، وذلك على خلفية رفض مدريد دعم عمليات عسكرية مرتبطة بالتصعيد مع إيران أو السماح باستخدام قواعدها العسكرية في تلك العمليات.
 

وقد أثار هذا الموقف موجة تضامن أوروبي واسعة مع إسبانيا، خاصة بعد إعلان فرنسا دعمها الكامل للحكومة الإسبانية، وهو ما يعكس اتساع فجوة الخلاف بين واشنطن وبعض حلفائها في القارة الأوروبية.


رفض إسباني للمشاركة في التصعيد العسكري


بدأت الأزمة عندما أعلنت الحكومة الإسبانية، بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، رفضها السماح للقوات الأمريكية باستخدام قواعد عسكرية في جنوب البلاد لدعم عمليات عسكرية مرتبطة بالتوتر المتصاعد في الشرق الأوسط.


وأكد سانشيز أن بلاده لن تنخرط في أي حرب جديدة بالمنطقة، مشدداً على أن الحلول العسكرية لا تمثل الطريق الأمثل لتحقيق الاستقرار، بل قد تؤدي إلى مزيد من التوترات الدولية. 

 

كما أوضح أن القرار الإسباني يستند إلى احترام قواعد القانون الدولي والاستفادة من دروس التجارب السابقة، وعلى رأسها تداعيات حرب العراق.


وأشار رئيس الحكومة الإسبانية إلى أن مدريد تتخذ قراراتها السيادية بشكل مستقل، ولن تكون تابعة لأي قوة خارجية، مؤكداً أن مصلحة البلاد والاستقرار الدولي يظلان في مقدمة أولويات السياسة الإسبانية.
 

انتقادات أمريكية وتصعيد اقتصادي
 

في المقابل، رد الرئيس الأمريكي بانتقادات لاذعة للحكومة الإسبانية، متهماً إياها بعدم الوفاء بالتزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي، خاصة فيما يتعلق بزيادة الإنفاق الدفاعي.


وانتقد ترامب رفض مدريد رفع ميزانية الدفاع إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة التي تضغط واشنطن لاعتمادها داخل الحلف، بينما ترى إسبانيا أن هذه الزيادة غير واقعية اقتصاديًا وقد تشكل عبئاً كبيراً على ميزانيتها.


كما لوّح الرئيس الأمريكي بإمكانية اتخاذ إجراءات تجارية ضد مدريد، في خطوة قد تؤدي إلى تصعيد اقتصادي بين الجانبين إذا تحولت هذه التهديدات إلى قرارات عملية.


تضامن أوروبي واسع مع مدريد
 

رد الفعل الأوروبي جاء سريعاً، إذ أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تضامن بلاده الكامل مع الحكومة الإسبانية، معتبراً أن ممارسة ضغوط اقتصادية على دولة أوروبية بسبب موقف سياسي أمر غير مقبول.
 

كما أكد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أن أي تهديد يستهدف دولة عضو يعد تهديدًا للاتحاد بأكمله، في إشارة إلى وحدة الموقف الأوروبي في مواجهة الضغوط الأمريكية.


وفي السياق ذاته، أجرى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا اتصالاً هاتفياً مع رئيس الحكومة الإسبانية، أعرب خلاله عن تضامن الاتحاد الأوروبي الكامل مع مدريد.


وأوضح كوستا، عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن الاتحاد الأوروبي سيواصل الدفاع عن مصالح دوله الأعضاء، مؤكداً التزام بروكسل القوي بمبادئ القانون الدولي والنظام العالمي القائم على القواعد.


استعداد أوروبي للرد على أي إجراءات أمريكية


كما أبدت المفوضية الأوروبية، برئاسة أورسولا فون دير لاين، دعمها لإسبانيا، مؤكدة استعدادها لاتخاذ إجراءات لحماية مصالح الاتحاد الأوروبي إذا لزم الأمر.


من جانبه، شدد المتحدث باسم التجارة في الاتحاد الأوروبي، أولوف جيل، على أن بروكسل تسعى للحفاظ على علاقات تجارية مستقرة مع الولايات المتحدة، لكنه أكد ضرورة احترام واشنطن للاتفاق التجاري المبرم بين الجانبين العام الماضي.


وينص الاتفاق على تحديد الرسوم الجمركية الأمريكية على واردات الاتحاد الأوروبي بنسبة لا تتجاوز 15%، مقابل دخول السلع الأمريكية إلى السوق الأوروبية الموحدة دون رسوم.
 

خلافات أمنية تعيد النقاش حول استقلال أوروبا الدفاعي


وتأتي هذه الأزمة في ظل نقاش متزايد داخل أوروبا بشأن السياسات الأمنية والعسكرية، خاصة بعد التصعيد العسكري المرتبط بالهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، والذي فتح باب الجدل حول مدى مشاركة الدول الأوروبية في النزاعات الدولية.


وتفضل عدة دول أوروبية تبني نهج أكثر حذراً لتجنب تصعيد إقليمي قد يهدد استقرار أسواق الطاقة ويؤثر على الأمن العالمي.


كما أعاد هذا التوتر إحياء النقاش داخل القارة حول ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في الملفات الأمنية.


ويرى مراقبون أن الخلاف الحالي قد يمثل واحدة من أخطر الأزمات السياسية بين واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين في السنوات الأخيرة، خصوصاً إذا تطورت التهديدات التجارية إلى إجراءات فعلية.


وفي ظل هذه التطورات، تبدو أوروبا أكثر ميلًا للتكاتف داخلياً، مع محاولة الحفاظ في الوقت ذاته على توازن دقيق يمنع تحول الأزمة إلى مواجهة اقتصادية مفتوحة مع الولايات المتحدة.

تم نسخ الرابط