اقتصاد 2026.. صراع السيادة والبحث عن ملاذات آمنة
لم يعد الاقتصاد العالمي في عام 2026 مجرد أرقام تعكس حالة الحركة التجارية العالمية، فيما تتحول لساحة معركة رئيسية تُدار فيها النزاعات بوسائل ناعمة وأخرى ليست بسهولة.
في الوقت الحالي نعيش حالة من الزخم الاقتصادي، حسب ما ذكرته كريستالينا جورجيفا، مديرة صندوق النقد الدولي، ليوصف بأنه "التشرذم الجيواقتصادي"، وهو حالة تلاقت فيها ذروة التوترات السياسية مع إعادة هيكلة جذرية لسلاسل التوريد.
هذا التقرير يستعرض كيف تعيد هذه التحولات صياغة مفهوم "السيادة الاقتصادية" مدعوماً برؤى أبرز مفكري العصر.
من المضاربة إلى "التحوط السيادي"
وفي ظل هذا التحول الكبير ومع العودة التاريخية للذهب، التي لم تكن أداة للمضاربة، بل أصبحت درعاً سيادياً، أكد محمد العريان، الخبير الاقتصادي، أن البنوك المركزية في الأسواق الناشئة في وتيرة شراء قياسية تجاوزت الـ 1,100 طن متري سنوياً.
وأضاف العريان في تصريحات خاصة لـ "بلدنا اليوم"، أن هذا التوجه يعكس حالة من "عدم اليقين الجذري"، حيث لم تعد الدول تثق في النظام المالي التقليدي كمخزن وحيد للقيمة، مضيفاً أن هذا "التحوط السيادي" دفع أسعار الذهب لتحطيم مستويات قياسية متجاوزة عتبة الـ 2,600 دولار للأوقية.
وأشار الخبير الاقتصادي، أن ذلك يمثل تصويتاً بالثقة ضد الاعتماد المفرط على الأصول الورقية المرتبطة بالاستقطاب الدولي، موضحاً أن الحكومة سخرت إراداتها الكاملة لتعيش هذا التحول، وهو ما أثبته البنك المركزي المصري في شراءه لكميات كبيرة من الذهب خلال الفترة الماضية، وهو ما أعطى له الركيزة الأساسية في قراره بشأن تثبيت أسعار الفائدة.
تشرذم التجارة ونهوض استراتيجية الـ Friend-shoring
وفي سياق متصل، أوضح أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، أن الأزمة الاقتصادية الحالية لا يمكن فهم عمقها إلا بالنظر إلى الخريطة اللوجستية التي أصبحت رهينة للتوترات العسكرية، مشيراً إلى أن الاضطرابات في ممرات حيوية مثل باب المندب وقناة السويس أدت لقفزات في تكاليف الشحن بنسب وصلت إلى 220%.
وأضاف غراب، أن المشهد الحالي جزء من "الأزمات الضخمة" (Megathreats) التي تهدد استقرار النظام العالمي، مؤكداً أن التضخم الناتج عن هذه الاضطرابات اللوجستية ليس عارضاً، بل هو سمة أساسية للاقتصاد العالمي الجديد الذي يفتقر إلى ممرات آمنة ومستقرة.
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن العالم بدأ يشهد ولادة بنية تحتية مالية بديلة، تزامناً مع تسارع الدول في تفعيل عملات البنوك المركزية الرقمية (CBDCs) لتسوية التجارة البينية بعيداً عن نظام "سويفت". وأفاد بأن "هذا التوجه يسمح للدول بإنشاء قنوات دفع فورية ومؤمنة سياسياً، علاوة على ذلك، عاد نظام "المقايضة المؤسسية" (تبادل الطاقة مقابل التكنولوجيا) للواجهة، وهو ما يقلل الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي ويخلق نوعاً من الاستقرار التبادلي بعيداً عن تقلبات الدولار".
أمن الطاقة والسيادة التقنية كأعمدة للسلام
ووفقاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية لعام 2026، فإنه لم تعد الطاقة والتقنية مجرد قطاعات اقتصادية، بل تحولتا إلى أعمدة للأمن القومي، حيث إن الاستثمارات في الطاقة المتجددة لم تعد مدفوعة فقط بالأجندة المناخية، بل برغبة الدول في تحقيق "السيادة الطاقية" لتجنب الابتزاز السياسي..