التعليم الفني في سوهاج.. إلى أين وصل؟ وهل فقدت الثانوية العامة بريقها؟
لم يعد الحديث عن التعليم الفني في سوهاج كما كان في السابق، حيث بدأت ملامح تحول تدريجي تظهر في نظرة المجتمع لهذا المسار التعليمي، الذي ظل لسنوات طويلة مرتبطا باعتباره الخيار الثاني أو “البديل الاضطراري” لطلاب الشهادة الإعدادية.

ومع تغير متطلبات سوق العمل وارتفاع تكلفة وضغوط الثانوية العامة، يبرز تساؤل مهم: هل أصبح التعليم الفني اختيارا واعيا لدى البعض؟ وهل فقدت الثانوية العامة بريقها التقليدي؟
واقع جديد على الأرض
شهدت السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا بتطوير منظومة التعليم الفني، سواء من خلال تحديث المناهج أو إدخال أساليب التدريب العملي داخل المدارس، وهو ما انعكس تدريجيا على مستوى الطلاب.


وأوضح الدكتور مدحت حفني، مدير عام التعليم الفني بمديرية التربية والتعليم بسوهاج، أن التعليم الفني والمهني يمثل حجر الزاوية في التنمية الاقتصادية المستدامة، حيث يسهم في سد الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، من خلال التركيز على المهارات العملية والتقنية، بما يؤهل خريجين قادرين على الإنتاج والابتكار.
وأشار إلى أن مصر شهدت تطورا ملحوظا في هذا القطاع، حيث زادت مدارس التعليم الفني بنسبة 104.1% لتصل إلى 3444 مدرسة خلال العام الدراسي 2024/2025، بما يعزز القدرة التنافسية.
وأضاف أن التعليم الفني بمحافظة سوهاج يشهد طفرة نوعية في إطار تنفيذ الخطة الاستراتيجية للتعليم الفني بجميع أنواعه (الصناعي – الزراعي – التجاري – الفندقي – المزدوج)، مع إتاحة تخصصات حديثة تواكب احتياجات سوق العمل، من بينها: صيانة الأجهزة الطبية، برمجيات الذكاء الاصطناعي، الطاقة الشمسية والمتجددة، الطباعة، الجلود، أعمال المساحة، صيانة ماكينات الحياكة، وصيانة الأجهزة المنزلية.
وبلغ عدد الطلاب الملتحقين بالتعليم الفني بمحافظة سوهاج نحو 132752 طالبا وطالبة، وفقا للإحصاءات الرسمية.
وأكد حفني أن الطالب لم يعد يكتفي بالدراسة النظرية، بل يتلقى تدريبات عملية تؤهله لسوق العمل، خاصة في مجالات الكهرباء والصيانة والصناعات المختلفة.
التحديات.. الطريق لم يكتمل
رغم هذا التطور، لا تزال هناك تحديات تواجه التعليم الفني، من أبرزها ضعف الارتباط بسوق العمل، ونقص التمويل اللازم لتحديث الورش، إلى جانب استمرار النظرة المجتمعية المتدنية لهذا المسار التعليمي.
وأشار مدير التعليم الفني إلى أن هذه التحديات تؤثر على مستوى مهارات الخريجين، وتتطلب التوسع في تطبيق “منهجية الجدارات”، وتعزيز الشراكات مع القطاعين العام والخاص.
سوق العمل.. كلمة السر
أصبح سوق العمل عاملا حاسما في تحديد مسار الطلاب، حيث لم تعد الشهادة وحدها كافية، بل أصبحت المهارة هي الأساس.


ويقول اشرف محمد ابوالمحاسن معلم خبير مادة المحاسبة المالية بمدرسة شطورة الثانوية التجارية التابعة للإدارة التعليمية بطهطا أحد إدارات مدرية التربية والتعليم بسوهاج
أنه “فيه فرق كبير عن زمان.. الطالب بقى بيتعلم حاجة يشتغل بيها مش مجرد شهادة”مثل ما الناس متخيلة أنه مجرد دبلوم وخلاص


ويقول أحمد محمود، أحد أولياء الأمور، إن التفكير في مستقبل الأبناء لم يعد مرتبطا بالحصول على شهادة فقط، بل بمدى قدرتهم على إيجاد فرصة عمل مناسبة.
ويؤكد محمد يونس، أحد أصحاب الورش بمدينة طهطا:
“أنا محتاج صنايعي شاطر أكتر من خريج جامعة مش عارف يشتغل بإيده.. المهارة بقت أهم من الشهادة”.


ويعكس ذلك التوجه زيادة الاهتمام بالمسارات الفنية، خاصة في المهن الحرفية التي تشهد طلبا متزايدا.
بين القبول والرفض.. نظرة المجتمع
رغم هذا التغير، لا تزال نظرة المجتمع للتعليم الفني متباينة، حيث يراه البعض خيارا مناسبا، بينما يفضل آخرون الثانوية العامة باعتبارها المسار الأكثر أمانا من وجهة نظرهم.
وترى نعمه أحمد محمد إحدى أولياء الأمور:
“زمان كنا بنشوف الثانوية العامة هي الطريق الوحيد.. دلوقتي بقينا نفكر في مستقبل الولد بعد الدراسة”.
كما تقول فرحة السيد إحدى طالبات التعليم الفني التكنولوجي“دخلت فني وأنا مقتنعة.. بس لسه في ناس بتبص له إنه أقل من الثانوية العامة”.
الطلاب.. بين الاختيار والاضطرار
داخل مدارس التعليم الفني، تتباين دوافع الطلاب، فهناك من اختار هذا المسار بإرادته، إيمانا بفرصه المستقبلية، وآخرون جاء بهم المجموع.
يقول مروان السيد أحمد، طالب بالمدرسة الفنية الصناعية قسم ميكانيكا السيارات:
“أنا دخلت تعليم فني عشان أتعلم صنعة.. شايف إن ده هيأكلني عيش”.
ويضيف علي رأفت علي:
“كنت أتمنى أدخل ثانوي عام.. بس بدأت أتأقلم”.
كما يؤكد أحمد حسانين، أحد طلاب التعليم الفني:
“اخترت التعليم الفني عشان أتعلم صنعة أعيش منها”.
ويروي محمد أحمد محمود، طالب بكلية الهندسة، تجربته قائلا إنه التحق بالتعليم الفني بسبب ظروف أسرته، لكنه وضع هدفا لنفسه واستطاع تحقيقه بالاجتهاد حتى التحق بكلية الهندسة، مؤكدا أن التعليم الفني ليس نهاية الطريق، بل يمكن أن يكون بداية لتحقيق الطموحات.
الثانوية العامة.. ضغوط متزايدة
في المقابل، لا تزال الثانوية العامة تمثل حلما تقليديا لدى الكثير من الأسر، لكنها لم تعد الخيار الوحيد كما في السابق.
فالضغوط النفسية، وارتفاع تكاليف الدروس الخصوصية، وحالة القلق المستمرة، دفعت بعض الأسر إلى إعادة التفكير في هذا المسار، والبحث عن بدائل تحقق استقرارا أسرع للأبناء.
مقارنة بين التعليم الفني والثانوية العامة
الدراسة:
الثانوية العامة: نظري
التعليم الفني: عملي + نظري
التكلفة:
الثانوية العامة: مرتفعة
التعليم الفني: أقل
الضغط:
الثانوية العامة: مرتفع
التعليم الفني: أقل
فرص العمل:
الثانوية العامة: بعد الجامعة
التعليم الفني: أسرع
النظرة المجتمعية:
الثانوية العامة: تقليدية
التعليم الفني: في تحسن
هل نحن أمام تحول حقيقي؟
يرى متخصصون في الشأن التعليمي أن ما يحدث حاليا يمثل بداية تحول في نظرة المجتمع إلى التعليم الفني، لكنه لم يكتمل بعد، ويحتاج إلى مزيد من الدعم والتوعية، إلى جانب ربطه بشكل أقوى بسوق العمل.
ولم يعد الاختيار بين المسارين مرتبطا بالمجموع فقط، بل بقدرة الطالب على رسم مستقبله بين طريق “الشهادة” وطريق “المهارة”.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل يتحول التعليم الفني في سوهاج إلى مسار أساسي يختاره الطلاب بإرادتهم، أم يظل خيارًا مرتبطا بالظروف؟
الإجابة تتشكل يوما بعد يوم، مع كل طالب يقرر أن يختار “المهارة” بدلًا من مجرد “الشهادة