الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية.. هل يَجري تنفيذ الضَّم بالقوة؟ |خاص
تشهد الضفة الغربية مؤخرا تصاعدا غير مسبوق في اعتداءات القوات الإسرائيلية والمستوطنين ضد الفلسطينيين، إذ لم يعد يقتصر الأمر على حوادث متفرقة، بل بات يعكس نهجا متسارعا من القتل والاعتقال والتهجير وفرض وقائع جديدة على الأرض, بالإضافة إلى الاستيلاء الممنهج على أراضي ومزارع المواطنين وسط غياب أى ردود فعل دولية رادعة. هذا المشهد يطرح تساؤلات هامة حول أبعاده الحقيقية وانعكاساته المستقبلية، وما إذا كان يمثل تمهيدا فعليا لفرض السيادة الإسرائيلية بشكل نهائي على الضفة الغربية.
تصفية القضية الفلسطينية
في هذا السياق، قال الدكتور «أمجد شهاب» - المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية، إن تزايد حدة الاعتداءات الإسرائيلية على الضفة الغربية يمثل "امتدادا لتنفيذ مخطط إسرائيلي قديم يقوم على تصفية القضية الفلسطينية عبر ضم الضفة، وقد ورد ذلك ضمن اتفاق تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية قبل نحو 3 سنوات ونصف”، مؤكدا أن وصول هذه الاعتداءات إلى هذا الحد غير المسبوق من القتل وسرقة الأراضي والتهجير يرجع إلى غياب أي ردود فعل فلسطينية ودولية رادعة.
وأوضح أن المستوطنين يواصلون اعتداءاتهم في الضفة بدوافع أيديولوجية اعتقادا بأنهم “أصحاب تلك الأرض”، وأن إسرائيل تدعم تلك الاعتداءات بما يدفع الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم تدريجيا ويفرض واقعا جديدا يمهد لفرض السيادة التامة على أراضي الضفة الغربية.

وأشار شهاب خلال حديثه لـ «بلدنا اليوم», إلى أن تهجير فلسطينيي الضفة يتم ب"شكل تدريجي ومنهجي من المناطق الريفية إلى المدن"، ومن ثم تحويل تلك المدن إلى شبه “معسكرات معزولة” للضغط على سكانها ودفعهم نحو الهجرة، لافتا إلى انتشار شعارات معادية يضعها المستوطنون على الحواجز والطرق بالضفة، من أشهرها عبارة "لا يوجد مستقبل هنا"، وذلك في ظل سيطرة إسرائيل على نحو 70% من مساحة الضفة وانتشار قوات إسرائيلية مكثفة، وإقامة حواجز عسكرية وبوابات أمنية على مداخل ومخارج معظم القرى والمدن الفلسطينية.
وأكد أن تزايد حدة الاعتداءات لا يمثل مرحلة تصعيد إسرائيلي جديدة، لأنه - بحسب تقديره - لم يتبق شيء يُذكر في الضفة، موضحا أن هذا التزايد في الاعتداءات يمثل مرحلة انتقالا من الاحتلال إلى فرض السيادة, وذلك عبر تفريغ مساحات كبيرة من الأراضي من سكانها الفلسطينيين وسن القوانين المدنية الإسرائيلية بها بدلا من العسكرية وذلك للالتفاف على القانون الدولي الذي يُجرِّم إعلان الضم، وهو ما يعني ضمها فعليا دون إعلان رسمي وبما يُجنب إسرائيل المواجهات القانونية والضغوط دولية.
وأضاف: “ينعكس هذا الواقع المرير على فلسطينيي الضفة في تزايد شعورهم بفقدان الهوية والأمن، فقد تغيرت الأوضاع جذريا عما كانت عليه قبل انتفاضة الأقصى منذ أكثر من 20 عاما, حين كان الفلسطينيون يتجنبون التنقل بين مستوطنات الضفة، بينما أصبحوا اليوم يخشون التنقل بين المدن الفلسطينية نفسها نتيجة سيطرة المستوطنين على الطرق وتزايد اعتداءاتهم بحماية القوات الإسرائيلية، وهو ما أدى إلى حدوث موجة نزوح تدريجي من القرى باتجاه المدن ساهمت في تغيير الوضع الديموغرافي للضفة”.
ولفت إلى أن موقف الولايات المتحدة والقوى الدولية تجاه هذه التطورات ظل منذ سنوات وحتى الان مازال محصورا في إطار الدعوات للتهدئة وبيانات الإدانة، ومحاولات محدودة للضغط على إسرائيل لضبط المستوطنين الذين باتوا "قوة عسكرية"، موضحا أن وجود قرابة 200 ألف مستوطن مسلح بالضفة يمثل اختلالا في ميزان القوة مقارنة بالفلسطينيين الذين يُعد معظمهم مدنيين عزل.
وتابع: “من غير المرجح أن تتحول الضفة الغربية إلى جبهة مؤثرة في الوقت الراهن، في ظل حالة الإحباط الناتجة عن غياب مؤسسات فلسطينية فاعلة قادرة على حماية الفلسطينيين، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية بحقهم وهو ما يُفاقم مشاعر الإحباط والقلق”.
ويرى شهاب أنه لا توجد مؤشرات حالية على تحركات فلسطينية مؤثرة بالضفة في ظل غياب الإرادة السياسية وضعف الإمكانيات، إلى جانب التواجد المكثف للجيش الإسرائيلي بمختلف مناطق الضفة، فضلا عن أزمة قيادة حقيقية وغياب أي استراتيجية لمواجهة تلك الاعتداءات، معتبرا أن هذه العوامل مجتمعة تمثل “الكارثة الأكبر” التي يواجهها الفلسطينيون في الوقت الراهن.
فرض واقع جديد
من جانبها, أكدت الدكتورة «دلال عريقات» - أستاذة الدبلوماسية وحل النزاعات بالجامعة العربية الأمريكية، إن ما نشهده مؤخرا في الضفة الغربية يمثل “امتدادا لمنظومة استيطان استعماري تسعى لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم ومصادرتها لفرض واقع جديد وإنهاء أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية”، وذلك في ظل مناخ سياسي إسرائيلي يعمل على تقنين تلك الاعتداءات ويشجع عمليات الاستيطان الممنهجة ضمن خطاب يميني متطرف ومسيطر.

وأوضحت عريقات في تصريح خاص لـ«بلدنا اليوم», أن ردود الفعل الدولية على تلك الانتهاكات “لا ترقى لمستوى الجرائم الإسرائيلية المرتكبة بالضفة”، مثل مصادرة الأراضي وهدم المنازل, اعتقال آلاف المدنيين، قتل الفلسطينيين واحتلال أراضيهم, بالإضافة إلى اقتحام المخيمات وغيرها من الانتهاكات التي تجرمها لقوانين الدولية, ما يعكس “أزمة حقيقية في تطبيق العدالة الدولية”, مؤكدة أن استمرار هذا الواقع في ظل غياب المسائلة الدولية والإجراءات الفورية الرادعة لإسرائيل سيجعل انفجار الأوضاع “أمرا حتميا”، ليس في الضفة فقط بل في المنطقة ككل.

