بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

الودائع الخليجية في مصر: "مظلة أمان" أم "قنبلة موقوتة" تحت وسادة البنك المركزي؟

بلدنا اليوم

في ظل الأرقام الصادمة ضمن تقارير البنك المركزي، تظهر كتلة نقدية ضخمة تثير جدلًا ونقاشًا ملحوظًا في أحاديث السياسة والاقتصاد، وهي "الودائع الخليجية"، التي تمثل تدفقًا كبيرًا كشريان حياة في لحظات حرجة، لكنها في الوقت نفسه تضع صانع القرار أمام سؤال المليار دولار: ماذا لو طلب "الأشقاء الخليجيون" استرداد أموالهم الآن؟

المظلة التي تحمي الجنيه.. وأرقام تثير الهيبة

يمثل استقرار سوق الصرف في مصر أهمية كبيرة لملايين المواطنين، وهو ما يعتمد على "الثالوث الخليجي" المتمثل في "السعودية، الإمارات، الكويت"، كأكبر الدول التي لديها ودائع في البنك المركزي المصري، حيث أشارت التقديرات الأخيرة الصادرة عن المركزي إلى وصول هذه الودائع إلى 35% من صافي الاحتياطيات الدولية لمصر.

وفي هذا السياق، يؤكد رضا لاشين، الخبير الاقتصادي، أن هذه الودائع ليست مجرد عملة صعبة، بل هي رسالة ثقة للأسواق الدولية، ووجودها يمنح مصر قدرة تفاوضية أعلى مع صندوق النقد، لكنها في المقابل تظل ديونًا قصيرة ومتوسطة الأجل، ما يجعل "جودة" الاحتياطي النقدي تحت الاختبار الدائم.

وأضاف لاشين، في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن طلب استرداد الودائع بشكل مفاجئ يشبه "سحب البساط" من تحت أقدام العملة المحلية. ففي حال قررت إحدى الدول سحب مبلغ ضخم (5 مليارات دولار مثلًا)، سيجد البنك المركزي نفسه مضطرًا لضخ سيولة بديلة من موارده الذاتية.

وأوضح أن هذا التأثير الكبير قد يؤدي إلى عجز مفاجئ في تمويل السلع الاستراتيجية، وارتباك في تسعير الجنيه، حيث تترقب الأسواق أي نقص في المعروض الدولاري لرفع أسعار الصرف، مشيرًا إلى أن ذلك يسهم في اهتزاز ثقة المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية.

كما أشار إلى أن طلب استرداد الودائع الخليجية في هذا التوقيت تحديدًا سيؤثر بشكل كبير على السوق المصري، مؤكدًا أن مثل هذه القرارات لا يمكن اتخاذها "بين يوم وليلة"، إذ تحكمها اتفاقيات ومعاهدات بين المؤسسات الاقتصادية، سواء لطلب الودائع أو تحديد آجالها وفوائدها.

"فخ الفوائد" والبحث عن السيادة المالية

وفي السياق ذاته، أكد الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن استمرار هذه الودائع كـ"ديون" يحمل تكلفة خفية، إذ تدفع الدولة فوائد دورية مقابل بقاء هذه الأموال في خزائنها.

وأضاف عبده أن الخطر لا يكمن في بقاء الوديعة، بل في الاعتماد عليها كمسكن طويل الأمد، موضحًا أن الاستقلال المالي الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه الودائع من "ديون مستحقة" إلى "استثمارات منتجة".

وأشار إلى أن صفقة "رأس الحكمة" كانت النموذج الأبرز، حيث تم خصم جزء كبير من الودائع الإماراتية مقابل حصص في المشروع، مؤكدًا أنها تمثل "الخروج الآمن" الذي يحمي الاحتياطي النقدي من التآكل، وفي الوقت نفسه يخفف أعباء الفوائد عن الموازنة العامة، ويحوّل المودع من "دائن" إلى "شريك في التنمية".

هل الاسترداد وارد؟

من جانبه، أكد أشرف غراب، الخبير الاقتصادي، أن فكرة "الاسترداد المفاجئ" تُعد سيناريو مستبعدًا من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية، موضحًا أن الودائع الخليجية تمثل للدول المودِعة أصولًا سائلة، لكنها تظل محدودة مقارنة بفوائضها الضخمة التي تُقدر بالتريليونات داخل صناديقها السيادية.

وأضاف غراب، في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن استرداد هذه الودائع لا يمثل إضافة كبيرة لتلك الدول، لكنه في المقابل قد يشكل ضغطًا هائلًا على الجنيه المصري، وهو ما لا ترغب فيه دول المنطقة، حرصًا على استقرار الاقتصاد المصري.

واختتم بالتأكيد على أن هذه الودائع تظل "ديونًا" في نهاية المطاف، مشيرًا إلى أن الاعتماد المستمر على تجديدها بدلًا من سدادها يعني استمرار دفع فوائد، ما يحوّل جزءًا من الاحتياطي النقدي إلى "رقم دفتري" أكثر منه "قوة شرائية حرة"، خاصة أن جزءًا منه يمثل أموالًا للغير بعوائد تصل أحيانًا إلى 3%.

تم نسخ الرابط