هل الاقتصاد كسب ولا المواطن هيدفع؟
عودة الحياة الليلية.. بداية انتعاشة اقتصادية أم أنه تغيير شكلي
في إطار عودة المحلات والمولات للعمل بالمواعيد المعتادة وغلق الحظر، استعادت الشوارع طاقتها وحيويتها الليلية، في مشهد يراه البعض بداية انتعاشة اقتصادية، فيما يرى آخرون أنه مجرد تغيير في الشكل لا الجوهر.
ويعد القرار إيجابيًا في حد ذاته وداعمًا للنشاط التجاري، مما يطرح تساؤلات أعمق حول مدى تأثيره على السوق والمواطن، إذ إنه من حيث المبدأ فإن زيادة ساعات العمل تمنح فرصة أكبر للتجار من أجل زيادة المبيعات، خاصة في الأنشطة الأكثر إقبالاً في المساء.
انتعاشة اقتصادية أم تغيير شكلي؟
يرى البعض أن إطالة ساعات العمل قد تمثل دفعة للنشاط التجاري، بينما يشكك آخرون في انعكاس ذلك فعليًا على حجم المبيعات، في ظل التحديات الاقتصادية الحالية.
رأي الخبير الاقتصادي هاني توفيق
وفي ذلك، يؤكد هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، أن “زيادة ساعات البيع لا تعني بالضرورة زيادة في الطلب”، موضحًا أن التحدي الحقيقي يكمن في تراجع القدرة الشرائية، وليس في عدد ساعات فتح المحلات.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن السوق لا يتحرك فقط بزيادة المعروض أو إتاحة الوقت، بل يعتمد بشكل أساسي على قدرة المستهلك على الإنفاق، موضحًا أنه مع الضغوط الاقتصادية الحالية أصبح المواطن أكثر حذرًا في قراراته، ما يعني أن الساعات الإضافية قد لا تترجم تلقائيًا إلى زيادة في المبيعات.
وأشار توفيق إلى أن إطالة ساعات العمل قد تساعد بعض الأنشطة على تعويض جزء من خسائرها، خاصة في القطاعات الخدمية والترفيهية، لكن يظل السؤال: هل الطلب كافٍ لاستيعاب هذه الزيادة في العرض؟
تكلفة التشغيل وأعباء إضافية
تتصل الإجابة بشكل مباشر بتكلفة التشغيل، وهي أحد أهم التحديات التي تواجه التجار، ففتح المحلات لساعات أطول يعني استهلاكًا أكبر للكهرباء، وزيادة في أجور العمالة، ومصاريف تشغيلية أعلى.
وفي هذا السياق، يحذر مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، من أن “زيادة فترات التشغيل تعني بالضرورة ارتفاعًا في استهلاك الطاقة، وهو ما يضيف أعباء على كل من الدولة والقطاع الخاص”، خاصة في ظل التحديات العالمية المرتبطة بأسعار الطاقة.
وأضاف يوسف أنه مع ارتفاع هذه التكاليف يصبح من الصعب على كثير من التجار تحملها دون تمريرها إلى المستهلك، وهنا تظهر حلقة جديدة من الضغط الاقتصادي، موضحًا أن “أي زيادة في المصروفات التشغيلية غالبًا ما تنعكس على السعر النهائي للسلع والخدمات”.
وأوضح أن المواطن يقف في قلب هذه المعادلة، محاصرًا بين رغبة في الاستفادة من عودة النشاط الليلي، وواقع اقتصادي يفرض عليه ترشيد الإنفاق.
سلوك المستهلك: شراء انتقائي
وعليه، أكد وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن السلوك الاستهلاكي في الفترة الحالية يتجه نحو “الشراء الانتقائي”، حيث لم يعد المستهلك يتخذ قرار الشراء بسهولة، بل أصبح يقارن ويؤجل ويحدد أولوياته بدقة.
وأوضح أن هذا التحول في السلوك يعني أن زيادة ساعات العمل قد لا تؤدي إلى زيادة الإنفاق، بل إلى توزيع نفس حجم الإنفاق على فترة زمنية أطول.
وأضاف النحاس أن القرار يرتبط بملف الطاقة وإدارة الموارد، فالفترات السابقة من تقليص ساعات العمل كانت تهدف إلى ترشيد استهلاك الكهرباء في ظل ضغوط عالمية.
أما الآن، فإن العودة للمواعيد الطبيعية قد تعكس تحسنًا نسبيًا في القدرة على تلبية احتياجات السوق، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام زيادة الاستهلاك، وهو ما قد يكون له تأثيرات مستقبلية على السياسات الاقتصادية.