بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

د. سحر الحسيني تكتب: ابن عربي ..وحين يصير الحب طريقا إلى الله

بلدنا اليوم

ابن عربي  ..وحين يصير الحب طريقا إلى الله

يُقرأ ابن عربي كما يُقرأ غيره.

فهو ليس فيلسوفًا يقيم البرهان، ولا صوفيًا يروي الكرامة، بل كائنٌ يرى العالم بعين الله، ويسمع أنين الوجود في كل شيء.

منذ أن وُلد في مرسية بالأندلس عام 1165م، والعالم من حوله يفيض علمًا وشعرًا وصراعات، لكنه منذ صباه اختار طريقًا آخر... طريق القلب.

لم يكن التصوف عنده هروبًا من الحياة، بل عبورًا من ظاهرها إلى جوهرها.

كان يقول: "لقد كنتُ قبل اليوم أنكر صاحبي، إذا لم يكن ديني إلى دينه داني، وقد صار قلبي قابلًا كل صورة..."

وهنا تتجلّى فلسفته الكبرى: وحدة الوجود.

في نظر ابن عربي، لا وجود إلا لله.

العالم كله تجلٍّ لأسماء الله وصفاته، والبشر والبحر والليل والورد والدمعة — كلها مرايا ينعكس فيها وجهٌ واحد: الحقّ.

ومن ثم لم يفرّق بين الأديان ولا بين الخلق، لأنه رأى في الكل شرارة النور الإلهي ذاته.

لهذا قال عبارته التي ستبقى صدى للخلود:

"قلبي قابل لكل صورة... فهو مرعى لغزلانٍ، وديرٌ لرهبانٍ، وكعبةٌ للطائفين، وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن."

هكذا تخطّى ابن عربي حدود العقيدة إلى جوهرها الواحد، ورأى في الاختلاف جمالًا لا خصومة، وفي الكثرة طريقًا إلى الوحدة.

في فكر ابن عربي، الحبّ ليس عاطفة بشرية، بل وسيلة للمعرفة.

فالإنسان لا يعرف الله إلا إذا أحبّ، لأن الحب هو الذي يذيب “الأنا” ويفتح باب الفناء في المطلق.

ومن هنا جاءت لغته الشعرية غامضة، رقيقة، مشتعلة.

في ترجمان الأشواق كتب عن المرأة لا باعتبارها جسدًا، بل رمزًا للجمال الإلهي الذي يسكن الخليقة.

كانت “نظام” — تلك الفتاة التي ألهمته شعره — مظهرًا من مظاهر الله في الجمال.

قال فيها كما قال في الله: فالحبّ واحد، والوجوه تتعدد.

ولذلك لُقّب بـ شيخ العاشقين، لأنه جعل من الحبّ سُلّمًا يصعد به إلى الله، ومن الجمال برهانًا على الوجود الإلهي، لا على غواية البشر.

من أبرز أفكاره: مفهوم الإنسان الكامل.

وهو الإنسان الذي يتطهّر من الأنانية حتى يصير مرآةً نقية يظهر فيها الله بصفاته كلها.

ليس نبيًا فقط، بل كل روحٍ استطاعت أن تتخلّى عن ذاتها وتشفّ حتى يمرّ فيها النور.

بهذه الفكرة دخل في صدامٍ مع الفقهاء الذين لم يحتملوا لغته الرمزية ولا جرأته في الحديث عن الألوهة كحضورٍ حيّ في الكائن.

لكن ابن عربي لم يكن متمرّدًا على الدين، بل كان مؤمنًا أن المعرفة بالله لا تُنال بالورق بل بالذوق، لا بالدرس بل بالحضور.

قال لتلاميذه يومًا: "خذوا المعنى من الذوق، لا من الورق."

فالعلم عنده ليس معلومات، بل حالة عشقٍ تُرى بالروح لا بالعين.

سافر ابن عربي من الأندلس إلى المغرب، ومن هناك إلى مكة، فدمشق، حيث استقرّ ومات عام 1240م.

لكن روحه لم تستقرّ أبدًا، ظلت تحلّق.

فكل مدينة مرّ بها ترك فيها أثرًا من حكمته، وكل من قرأه أحسّ أن روحه تُنبت فيه غصنًا من نور.

من أشهر أعماله: الفتوحات المكية وفصوص الحكم، وهما موسوعتان في الفكر الصوفي تجمعان بين الفلسفة والروح والشعر.

في نصوصه تتداخل اللغة كأنها نهر من المعاني، تتكرر الكلمات لكنها لا تعيد نفسها، تكشف في كل مرة وجهًا جديدًا للحقيقة.

فالله لا يتكرر، والمعرفة لا تُستنسخ، ومن ذاق عرف.

بعد قرونٍ من رحيله، ما زال ابن عربي حاضرًا لا كفيلسوفٍ غابر، بل كصوتٍ من أعماق الإنسان.

فالعالم الحديث — برغم علمه وضجيجه — يفتقد ما كان يراه ابن عربي ببصيرته: المعنى.

هو الذي قال: "من عرف نفسه عرف ربَّه."

وكأنه يذكّرنا أن طريقنا إلى الله يمرّ عبر أنفسنا لا خارجها.

كان يؤمن أن الجمال طريقٌ للمعرفة، وأن الحبّ حين يصفو يصبح عبادة.

ولذلك، في زمنٍ تزداد فيه القلوب قسوة، يظلّ ابن عربي مرشد الأرواح التائهة، يهمس من وراء الغيب:

"اقترب... فالله أقرب من نبضك، وأجمل مما تتصوّر."

إنه العارف الذي جعل من الفناء ولادة، ومن الغياب حضورًا، ومن الحُبّ طريقًا إلى المطلق.

ولذلك، كلما أظلمت الفكرة في العالم، عاد صوته من بعيد يقول لنا: "ما أحبك الله لتفهم، بل لتذوق."

ابن عربي لم يمت، لأنه لم يكن شخصًا، بل حالة إنسانية مستمرة، تتجدد كلما أحبّ إنسان بصدق أو بحث عن الله بعين دامعة.

إنه العارف الذي رأى في الجمال يقينًا، وفي الحب طريق الخلاص، وفي المعرفة عبورًا إلى النجاة.

تم نسخ الرابط