“ورثتها عن جدي”.. حكاية آخر من يحرس أسرار الحصير اليدوي
في ظل الزحام والتطور السريع الذي غيّر ملامح العديد من المهن التقليدية، تظل بعض الحرف التراثية تصارع من أجل البقاء، محافظةً على هويتها القديمة برغم تراجع الإقبال عليها و غياب الدعم الكافي و في منطقة الكيلو 21 بحي العجمي غرب الإسكندرية، تقع ورشة متواضعة لصناعة الحصر اليدوية، تختبئ داخل أحد الأزقة الصغيرة وفي داخل هذه الورشة، يقف شاب في الثلاثين من عمره ممسكًا بخيوط المهنة التي ورثها عن أجداده، جاهدًا لإنقاذها من الاندثار.

«ورثتها عن جدي» .. حكاية عائلة ارتبطت بصناعة الحصير
يقول محمود الألفي، صاحب أقدم ورشة حصير في الإسكندرية، أن علاقته بمهنة بدأت منذ طفولته، حيث ورثها عن جده الذي كان يُعتبر من أبرز رواد تجارة الحصير في المدينة مؤكداً أن أسرته قد حافظت على هذا التراث العريق لعقود طويلة.

و أضاف أن عمته كانت واحدة من أبرز القائمين على جمع نبات السمار و تجهيزه، في حين تملك الأسرة مجموعة من المحلات المتخصصة في بيع الحصير. وقد ساهم ذلك في جعل هذه المهنة جزءًا أصيلاً من تاريخ العائلة ومصدر رزقها الرئيسي لسنوات طويلة.
وأوضح أن التحدي الأكبر الذي يواجهه القطاع اليوم لا يقتصر على صعوبة العمل، بل يمتد أيضًا إلى تراجع أعداد العاملين في هذا المجال، وعزوف الأجيال الجديدة عن التوجه نحو تعلمه، وذلك بسبب الحاجة الكبيرة للصبر والجهد البدني مقارنة بالعائد المالي المحدود.

«السمار» .. النبات الذي تبدأ منه رحلة الحصير
كشف الألفي أن المادة الأساسية المستخدمة في صناعة الحصر تُعرف باسم السمار ، وهو نبات ينمو في الملاحات و المناطق الرطبة ذات الملوحة العالية، و غالبًا ما توجد في مناطق نائية بعيدًا عن التجمعات السكنية والعمرانية.



أشار إلى أن موسم جمع السمار يبدأ مع فصل الربيع و يستمر حتى نهاية شهر أغسطس، حيث يتم قطع النباتات و تجهيزها من خلال عملية تُسمى التخفيف، و التي تعتبر خطوة ضرورية للحفاظ على جودة المواد الخام ومنع تعرضها للتلف.





أكد أن عملية التخفيف تعتمد بشكل كامل على أسلوب طبيعي، يتمثل في فرد السمار تحت أشعة الشمس لفترات طويلة، مما يؤدي إلى تغيّر لونه تدريجيًا و جفافه التام موضحاً أن هذه المعالجة تتيح إمكانية تخزينه لفترات قد تمتد لأكثر من عام دون أن يفقد جودته.
مراحل تصنيع دقيقة تحتاج إلى خبرة وصبر
أشار صاحب الورشة إلى أن مرحلة فرز الخامات تعتبر من المراحل الأكثر استغراقًا للوقت، إذ تتطلب تصنيف الأحجام المتنوعة بالإضافة إلى فرز نوعية السمار قبل بدء عملية التصنيع.








و أضاف أن صناعة الحصر تعتمد على طريقتين رئيسيتين الأولى هي الطريقة التقليدية البسيطة المستخدمة في تصنيع حصير الجبنة والستائر اليدوية، والتي لا تتطلب وقتا طويلاً أو مهارات معقدة، مما يجعلها مناسبة للتعلم حتى للأطفال.

أما الطريقة الثانية تعتبر الأكثر تحدياً واحترافية، و تستخدم في تصنيع المفارش الأرضية و ديكورات الجدران تتطلب هذه الطريقة دقة متناهية في ضبط الأنسجة والخيوط، لضمان ظهور الرسومات والزخارف بالشكل المنشود.




كما أشار إلى أن العمل على النول اليدوي يستلزم مستوى عالٍ من التركيز وخبرة متعمقة، إذ إن أي خطأ بسيط في توزيع الخيوط قد يؤدي إلى إفساد التصميم بالكامل وهذا ما يجعل هذه المهنة تنطوي على طابع فني أكثر من كونها مجرد صناعة تقليدية.
حرارة ومشقة وعزلة .. معاناة العاملين بالمهنة
وفيما يتعلق بالتحديات التي يواجهها العاملون في هذا المجال، أوضح الألفي أن المهنة تتسم بعبء كبير، لا سيما خلال فترات جمع المحاصيل في المناطق البرية و الملاحات، و التي غالباً ما تكون بعيدة عن أماكن السكن.
وأشار إلى أن العاملين يواجهون ضرورة تحمل درجات الحرارة العالية والعمل لساعات طويلة بين النباتات البرية، بالإضافة إلى الجهد البدني الكبير الذي تتطلبه عمليات النقل و التجفيف والتصنيع اليدوي.
و أوضح أن هذه الظروف الصعبة دفعت العديد من الشباب إلى التوجه بعيدًا عن المهنة، والبحث عن فرص عمل أقل تطلبًا وأكثر استقرارًا، مما يشكل تهديدًا لاستمرار الحرفة في المستقبل.













المعارض نافذة أمل لإنقاذ الحرفة
اختتم الألفي حديثه بالإشارة إلى الأهمية الكبيرة للمعارض والحرف التراثية في دعم أصحاب المهن التقليدية، مؤكدًا مشاركته في معرض مصري وبس، الذي يعتبره من أبرز الفعاليات التي أتاحت للحرفيين فرصة حقيقية لعرض منتجاتهم والتواصل مع الجمهور.
وأشار إلى أنه شعر خلال المعرض بتقدير و اهتمام لم يحظَ به منذ سنوات، معبرا عن أمله في عودة مثل هذه الفعاليات بشكل دوري، نظرًا لدورها الفعال في إنقاذ الحرف اليدوية من الانقراض، وتشجيع الأجيال الجديدة على التمسك بالتراث المصري الأصيل.